هل يتغير أثر الأغاني الوطنية بتكرارها؟!
بقلم: د.عصام عبداللطيف الفليج
كنت في عام ١٩٧٩م متدربا في اذاعة الكويت قسم المونتاج، وبعد اربعة شهور ادخلونا الاستوديو ليرى المسؤولون حينها قدراتنا لتسليمنا الاستوديوهات، وكان المسؤولون الموجودين حينها كل من الأساتذة علي العيد، وعلي حبيب، وابومازن، وخليل ابوغوش رحمه الله، وبدأت تشغيل الاستوديو على الهواء لتنفيذ أحد البرامج، وكلي ثقة الشباب الكويتي الطموح آنذاك، ووفقني الله بالعمل بشكل طيب، وأذكر وقتها أنني أدخلت أغنية وطنية في الفاصل.
وبعد انتهاء البرنامج، واجتياز المرحلة بنجاح، خرجنا من الاستوديو، وجلسنا في مكتب العم علي العيد لتقييم عملي، فقال لي أ.خليل ابوغوش (وكان حينها رئيس قسم الهندسة والتركيبات): ليه يا سامي أدخلت اغنية وطنية؟!
قلت له: كان البرنامج فلكلوريا، فدخلت بالأغنية الوطنية.
فقال لي ناصحا بلهجته الفلسطينية العفوية: اسمع يا ابني؛ الاغنية الوطنية ما بتهدرها بكل مكان، لأن فيها معاني خاصة، ان اهدرتها بالكثرة؛ تؤدي الى نفاق وضجر.
يقول الأستاذ سامي العنزي؛ مدير عام إذاعة البرنامج الثاني السابق، التي عاش في أكنافها طيلة حياته العملية، ونالت عشرات الجوائز، وتصدرت جميع إذاعات الكويت عدة سنوات، وهو صاحب هذه الرواية: انا لا انسى هذا الموقف، ولاحظت حرص جميع من سبقوني والذين تتلمذنا على أيديهم على هذه الملاحظة الفنية، وحرصنا جميعا بعدها على الالتزام بها، وكنا لا نبث الاغنية الوطنية الا في مكانها المناسب، ووقتها المناسب، ومناسباتها الخاصة.
ويستطرد قائلا: سؤالي لأهل الاختصاص اعلاميا وفنيا واجتماعيا ونفسيا، ولكل صاحب خبرة إذاعية وتلفزيونية ومسرحية ودرامية، (وأنا أضيف إليه؛ لقادة الداخلية والدفاع والأمن الوطني): ما رأيكم بنظرية صاحب الخبرة الميدانية أ.خليل ابو غوش رحمه الله؟! ألا ترون أننا نبالغ كثيرا في طرح الأغاني الوطنية، بمناسبة وغير مناسبة؟! ألا ترون هذا الاستهلاك لها، حتى أنها تفقد قيمتها وقت الحاجة؟! انتهى.
وتأكيدا لكلامه؛ ففي السابق.. عندما كنا نسمع أو نرى أغاني وطنية في غير العيد الوطني، نقول: الله يستر، عسى ما شر؟!! لأنها من اسمها ارتبطت بالقضايا الوطنية، كما حصل فترة احتلال الكويت، والتحرير، وفترات الحشود العراقية أيام صدام، حتى حرب إسقاطه، والتي تعرضت الكويت بسببها لاعتداءات صاروخية. وأحيانا في بعض الأمور المحلية المهمة، مثل حل مجلس الأمة، والتفجيرات الإرهابية، واكتشاف بعض الخلايا ومخازن الأسلحة.. وغير ذلك.
أما الآن.. فالأغاني الوطنية تعرض بدون مناسبة كل يوم، وفي كل وقت، ولا أعتقد أن الهدف منها بث روح الوحدة الوطنية، والهوية الكويتية، بقدر ما هو الترفيه وملء وقت الفراغ في الإذاعات والقنوات التلفزيونية، لدرجة أن الكل يمنتجها كيفما يشاء من اللقطات والصور، والتي قد تكون سلبية أحيانا.
ويجري الأمر على المدارس التي تشغل الأغاني الوطنية في الفرص، والاحتفالات المتكررة، وبالأخص مدارس البنات، دونما هدف واضح. وكذا الذين يديرون حفلات الأطفال والعوائل في المنتجعات والشاليهات والأندية.. وغيرها.
ولكثرة انتاج الأغاني الوطنية، أصبحت الجهات المنتجة لا تهتم بالكلمة والمعنى والرسالة والأداء، كما في السابق، بل تركز على الألحان الصاخبة.
لا أريد أن أطلق رأيا حاسما في ذلك، فلعل المفاهيم تغيرت مع تغير الأجيال، ولكن لا مانع من دراسة هذا الأمر دراسة جادة حفاظا على قوة أثر الأغنية الوطنية، ودمتم.