الوزير العفيف العزيز النفس

بقلم: د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي
من يستشرف تاريخ الكويت يستطيع أن يدرك مدى ما تمتع به أهل الكويت الطيبون من العفة وعزة النفس، ولا ريب أن العفة وعزة النفس تكسبان صاحبهما مكانة طيبة في نفوس الناس، ولله الحمد والمنة فقد تواترت المواقف والأحداث عن أهل الكويت الطيبين، التي توضح لنا جميعاً ما كان عليه أبناء الكويت من عزة نفس وعفاف، ومن بين هؤلاء الكرام نماذج طيبة تولوا مناصب قيادية في البلاد، لكن هذه المناصب لم تضف إليهم شيئاً، بل على العكس تماماً، فإن هؤلاء الفضلاء هم الذين أضافوا لتلك المناصب الكثير من خلال دماثة أخلاقهم ونظافة أيديهم.
ومن بين المواقف التي يستأنس بذكرها في هذا المقام موقفان للعم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، وقد رواهما لي أحد الثقات المقربين منه، وفيهما يقول:
الموقف الأول:
أروي هذا الموقف لأوضح ما اتصف به العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، من نزاهة وعفة نفسٍ وترفعٍ عن أخذ الأموال المخصصة له من الدولة، فعندما تولى العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، حقيبة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عام 1967م كانت تصله رسائل عديدة من رعايا دول الخليج وبعض الدول العربية الأخرى الموجودين في دولة الكويت، وكان أصحاب هذه الرسائل من مواطني تلك الدول يطلبون من خلالها المساعدات والإعانات الخيرية والإنسانية من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بدولة الكويت، وكان القانون الكويتي لا يجيز صرف مساعدات مادية أو عينية لغير الكويتيين، وكان العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، يتعاطف مع معظم تلك الرسائل، ويلزم نفسه مشكوراً مأجوراً بتقديم مساعدات لأصحاب تلك الرسائل من جيبه الخاص، وذلك لما تمتع به، رحمه الله تعالى، من روح المؤازرة والفزعة من أجل إخوانه المسلمين، ولا سيما أن تلك الرسائل كانت معظمها لحالات إنسانية تستحق المساعدة، فكان، رحمه الله تعالى، يخصص لأصحاب هذه الحالات ما تجود به نفسه من أمواله الخاصة ويحدد المبالغ التي تستحقها كل حالة من وجهة نظره، ثم يرسل لهم الأموال من راتبه الخاص، وهذا من كرمه وجميل عطائه.
الموقف الثاني:
حسب القانون الكويتي فإن الوزير يُمنح تحت بند المصروفات السرية مبلغ ثلاثين ألف دينار كويتي، سنوياً، تخصص له من الحكومة (هو بند يُعطى لكثيرٍ من المسؤولين الكبار في الدولة من أجل انفاقه فيما يرونه مناسباً لتحقيق المصلحة العامة، وما من شأنه تيسير وتسهيل بعض الإجراءات الإدارية والوظيفية في المؤسسات الحكومية)، وكان العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، حريصاً على ألا يتصرف في هذا المبلغ مطلقاً، وأن يحتفظ به في خزينة الوزارة كاملاً كما هو، وبعد استقالة الحكومة، وبعد انتهاء مدة السنوات الأربع، التي قضاها العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل منذ عام 1967 إلى عام 1971م، طلب العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، من الوكيل المساعد للشؤون المالية والإدارية بالوزارة أن يحرر شيكاً بكامل المبلغ الموجود في الخزينة تحت هذا البند على مدار مدة السنوات الأربع (مئة وعشرون ألف دينار كويتي) إلى وزارة المالية والنفط، وأرفق مع هذا الشيك كتاباً يفيد أن هذا الشيك عبارة عن المخصصات السنوية المصروفة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل خلال السنوات الأربع، وفي الجلسة الختامية لمجلس الوزراء سَلَّم العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، الكتاب والشيك إلى وزير المالية والنفط، آنذاك، العم عبدالرحمن العتيقي، رحمه الله تعالى، تبرئةً لذمته من هذا المبلغ الذي اعتبره على سبيل الأمانة لديه طوال فترة توليه حقيبة الوزارة.
هكذا أظهرت هذه المواقف الطيبة ما تمتع به العم خالد أحمد المضف، رحمه الله تعالى، من خصال العفة وعزة النفس والكرم، فعلى الرغم من توفر مبلغ كبير مخصص له من قِبل الدولة تحت تصرفه، وكان يسعه أن يصرف جزءاً منه على الحالات التي تطلب المساعدة من وزارة الشؤون من خارج البلاد، فإنه، رحمه الله تعالى، آثر أن يحتفظ بهذا المبلغ الكبير على سبيل الأمانة، وأن يساعد هذه الحالات من راتبه الخاص ومن حر ماله، وألا يكلف وزارته شيئًا في هذا الباب من أبواب الخير.
هكذا هم أهل الكويت الطيبون، أهل مروءة وكرم وعفة وعزة نفس، رحمهم الله تعالى جميعاً رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.