أخباركتب ودراسات

حقل الدرة – السيادة والثروات في مواجهة الادعاءات الإيرانية

دراسة تحليلية في ضوء البيان الكويتي – المصري المشترك

بسام فهد ثنيان الغانم

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي برز ملف حقل الدرة كمحور حيوي للصراع الإقليمي على السيادة والثروات، بين دول الخليج من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، وقد جاء البيان الكويتي – المصري المشترك بعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للكويت ليحسم كثيرًا من الغموض، وليوجّه رسائل واضحة بشأن ملكية الحقل وتحديد الموقف العربي من أي أطراف خارجية تدّعي حقًا فيه.

في هذه الدراسة ندمج بين التحليل السياسي لمضامين البيان والخلفية التاريخية لحقل الدرة، لنفهم جوهر الصراع ومآلاته، ودور التحالفات الإقليمية في حماية الأمن والسيادة والثروة.

أولًا: الخلفية التاريخية لحقل الدرة – من الاكتشاف إلى الخلاف

1. الموقع الجغرافي

يقع حقل الدرة في المنطقة البحرية الواقعة شمال الخليج العربي، داخل المنطقة المحايدة المقسومة بين الكويت والسعودية، وعلى مقربة من المياه الإيرانية.

تطلق إيران عليه اسم “أرش” (Arash) وتزعم أن جزءًا منه يمتد إلى مياهها الإقليمية.

2. الاكتشاف والتطوير

تم اكتشاف الحقل لأول مرة في عام 1967.

تمتلك الحقل شركة أرامكو السعودية وشركة نفط الكويت مناصفة، ضمن اتفاق لتقاسم الإنتاج والثروات في المنطقة المقسومة.

3. إشكالية ترسيم الحدود

رغم وجود اتفاق سعودي – كويتي واضح حول السيادة المشتركة، فإن الحدود البحرية بين إيران والكويت لم تُرسم رسميًا، وهو ما تستغله إيران في تكرار المطالبة بالمشاركة في الحقل.

4. أبرز التوترات السابقة

في عام 2001، وقّعت الكويت اتفاقًا مع شركة “رويال داتش شل” لتطوير الحقل، مما أثار اعتراضًا إيرانيًا.

في عام 2022، أعلنت الكويت والسعودية الاتفاق على تطوير الحقل، وردّت إيران بتحذيرات شديدة اللهجة وطالبت بوقف المشروع.

ثانيًا: مضامين البيان الكويتي – المصري المشترك

البيان الصادر في أبريل 2025 جاء ليؤكد ما يلي:

1. أن حقل الدرة يقع بالكامل في المناطق البحرية التابعة للكويت، أي أن لا وجود لأي امتداد سيادي لطرف آخر فيه.

2. رفض أي ادعاءات بوجود حقوق لأي طرف ثالث (والمقصود هنا إيران تحديدًا).

3. تأكيد ملكية الثروات الطبيعية في المنطقة المقسومة للكويت والسعودية فقط.

4. إبراز دعم مصر الكامل لأمن الكويت باعتباره جزءًا من الأمن القومي العربي.

5. إدراج هذه القضية ضمن ملفات السيادة والردع الدبلوماسي الجماعي، في إطار التحالف العربي.

ثالثًا: تحليل دلالات وتوقيت البيان

1. رسالة مباشرة إلى إيران

• يحمل البيان ردًا غير مباشر ومهذبًا لكنه حازم تجاه إيران، مؤكدًا أن ما تطالب به لا يُعدّ سوى ادعاءات بلا سند قانوني.

• الرسالة: لن تكون إيران طرفًا في أي مفاوضات حول حقل الدرة، وهذا ما يتطابق مع الموقف السعودي أيضًا.

2. تحصين للموقف القانوني والسياسي

• من خلال التأكيد على السيادة المشتركة (الكويتية – السعودية) فقط، يصبح الموقف مدعومًا قانونيًا بموجب الاتفاقيات الثنائية بين الدولتين.

• دخول مصر على الخط يمنح الموقف بعدًا عربيًا أوسع، يُعزز من وزنه أمام المجتمع الدولي.

3. بُعد أمني واستراتيجي

• في خضم التهديدات الإيرانية واحتكاكاتها المتكررة في الخليج، فإن أي تشكيك في السيادة البحرية قد يُفضي إلى صراع مسلح أو مواجهة بحرية.

• لذلك، فإن البيان يأتي كنوع من الردع الوقائي، وتحذير ضمني بأن الملف أصبح عربيًا لا ثنائيًا فقط.

4. دور مصر كلاعب إقليمي محوري

• يسلّط البيان الضوء على موقع مصر في معادلة الأمن الخليجي والعربي، فوجود الرئيس المصري في الكويت خلال الإعلان عن هذه الرسائل يضفي طابعًا رسميًا وتحالفيًا حازمًا.

• الدعم المصري يعني أن أي تهديد للكويت أو السعودية سيُعد تهديدًا للأمن القومي المصري كذلك، ما يضع إيران أمام واقع تحالفات متماسكة يصعب تجاوزها.

رابعًا: هل يُعد البيان استفزازًا لإيران؟

الإجابة: لا، لكنه “ردع محسوب”.

• البيان تجنّب ذكر إيران بالاسم، لكنه وصف المطالب بأنها “ادعاءات”، وهو توصيف قانوني ينزع الشرعية عن أي طرف ثالث.

• اللهجة المستخدمة دبلوماسية لكنها تحمل حزمًا واضحًا.

• يُمكن وصف البيان بأنه تحصين للسيادة، وليس استفزازًا للخصوم.

خامسًا: مآلات الصراع على حقل الدرة

السيناريو الأول: استمرار التوتر

• مع تصعيد إيران في ملفات غزة واليمن، فإنها قد تلجأ إلى التصعيد البحري الرمزي في الخليج، خصوصًا في مناطق مثل حقل الدرة.

• الردع العربي (الكويت – السعودية – مصر) قد يردع ذلك مؤقتًا، لكنه لا يُنهي النزاع.

السيناريو الثاني: العودة إلى طاولة التفاوض الثنائية (فقط)

• قد تضغط أطراف دولية على إيران لقبول أن الملف يخص الكويت والسعودية فقط، ويمكن أن يُفتح باب التفاوض الفني مع الابتعاد عن التقاسم الثلاثي.

السيناريو الثالث: ترسيم نهائي للحدود البحرية

• إذا نجحت الكويت في ترسيم حدودها البحرية مع إيران بموافقة سعودية، فإن الملف يُغلق تمامًا.

• لكن هذا يتطلب مناخًا سياسيًا إقليميًا أكثر استقرارًا مما هو عليه اليوم.

فرصة الترسيم الآن – لحظة استراتيجية نادرة

في خضم الأحداث المتسارعة التي يعيشها الإقليم، تتبدّى لحظات نادرة في السياسة يمكن وصفها بـ”النافذة الذهبية”، تلك التي إن أُحسن استثمارها، تحققت مكاسب طويلة المدى بأقل التكاليف. وملف ترسيم الحدود البحرية بين الكويت وإيران، في ضوء الصراع المستمر حول حقل الدرة، يمثّل واحدة من تلك اللحظات.

فرغم أن المناخ الإقليمي يبدو متوتّرًا في الظاهر، إلا أن توازنات القوى الحالية، والضغوط الدولية، وتبدلات السلوك الإيراني، تجعل من هذه المرحلة الفرصة المثلى لدفع إيران نحو ترسيم الحدود البحرية بشكل نهائي، مما يُغلق أحد أخطر الملفات السيادية في الخليج العربي لعقود قادمة.

أولًا: لماذا لم يتم ترسيم الحدود سابقًا؟

منذ الاستقلال ظلت الحدود البحرية بين الكويت وإيران غير مرسّمة رسميًا، لأسباب متعددة:

1. التداخل الجغرافي والتاريخي في مياه الخليج الشمالي، حيث تتقارب المياه الكويتية والإيرانية في بعض المناطق.

2. تباين في الخرائط والمسوحات بين ما تحتج به إيران وما تعتمد عليه الكويت قانونيًا.

3. تأجيل سياسي متبادل من الطرفين، لتجنّب توتر العلاقات في ظل ظروف إقليمية مشحونة.

4. ضعف الحوافز الإيرانية سابقًا، كونها ترى أن الترسيم سيفقدها أوراق ضغط مستقبلية على الخليج.

لكن مع تغيّر المعطيات في السنوات الأخيرة باتت إيران هي الطرف الأكثر حاجة الآن لترسيم الحدود، وإن لم تعلن ذلك علنًا.

ثانيًا: لماذا تُعد اللحظة الحالية مثالية للترسيم؟

1. الضغوط الأمريكية والرهان الإيراني على تحسين الصورة

• تواجه إيران ضغوطًا متصاعدة من الغرب، خاصة بعد تصاعد دورها في دعم الحركات المسلحة في المنطقة.

• الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يُطالبان طهران بإبداء مؤشرات على “حسن النية”، سواء في الخليج أو في الملف النووي.

• ترسيم الحدود مع دولة حليفة للغرب مثل الكويت يُقدَّم كـ”بروفة تصالحية” لا تُكلف إيران تنازلات كبيرة، لكنها تُلمّع صورتها في الإعلام الدولي.

2. إيران تسعى لتحييد جبهات لا تستطيع احتواءها

• إيران منخرطة في ملفات ملتهبة: غزة، اليمن، العراق، سوريا، لبنان، باكستان.

• وكل جبهة تُشكّل استنزافًا سياسيًا واقتصاديًا.

• تحييد الكويت، أو تحويل العلاقة معها إلى “حيادية مستقرة”، يُشكّل متنفسًا لطهران.

3. الكويت بلد عقلاني لا يُستفز

• تاريخ الكويت في تسوية النزاعات قائم على الحوار والتهدئة.

• لا تمتلك الكويت طموحات عدوانية، ولا تُهدد أمن جيرانها.

• لذلك، ترى إيران أن التفاوض معها لا يحمل مخاطرة سياسية أو سيادية.

4. التعاون الاقتصادي المشترك قد يغري طهران

• ترسيم الحدود قد يُفضي إلى تفاهمات حول تقاسم الحقول الحدودية أو الاستفادة المشتركة منها.

• إيران تعاني اقتصاديًا، وشراكة فنية – ولو رمزية – في استغلال الثروات، قد تُعتبر مكسبًا مهمًا لها.

5. الموقف الخليجي والعربي الموحد يضع إيران في الزاوية

• بيان الكويت والسعودية ومصر، ثم تصريحات الإمارات، كشفت عن تنسيق خليجي عربي كامل حول حقل الدرة.

• وهذا يُضيّق هامش المناورة أمام إيران، ويُظهرها كطرف وحيد يفتعل المشكلة.

• وبالتالي قد تدرك طهران أن قبول الترسيم يُعيدها للمشهد كـ”طرف متحضر”.

ثالثًا: ما الذي يمكن أن يُقدّمه الترسيم للطرفين؟

بالنسبة للكويت:

• إنهاء أحد أعقد ملفات الحدود البحرية.

• تحصين قانوني دائم لحقل الدرة والثروات البحرية.

• تجنيب البلاد أي تصعيد مستقبلي مع إيران.

• تعزيز الاستقرار الاستثماري في المنطقة البحرية.

• إظهار الدبلوماسية الكويتية كأنموذج في حل النزاعات.

بالنسبة لإيران:

• تحسين الصورة الدولية بعد سنوات من العزلة.

• فرصة لكسب دعم أو على الأقل حياد خليجي (كويتي – عماني).

• بوابة لتفاهمات أوسع في ملف أمن الخليج.

• تهدئة العلاقات مع دولة حدودية بدون كلفة حقيقية.

رابعًا: المخاطر إذا لم تُستثمر اللحظة؟!

• إيران قد تُعيد تصعيد موقفها وتمنع تطوير الحقل.

• قد تُعيد طرح مطالب بتقاسم الحقل، وتفتعل اشتباكات بحرية رمزية.

• قد تُسلّح أو تدعم جهات بحرية في المنطقة لزعزعة التطوير.

• سيكون على الكويت والسعودية إما الرضوخ أو التصعيد، وكلاهما خيار مكلف.

خامسًا: توصيات عملية للكويت والسعودية

1. تشكيل لجنة ترسيم فنية – قانونية متخصصة، مع توثيق الحدود البحرية استنادًا إلى القانون الدولي.

2. فتح قناة حوار غير معلنة مع إيران بوساطة عُمانية أو قطرية.

3. ربط ملف الترسيم بالتعاون الاقتصادي والتجاري، لا بالمواجهة السياسية.

4. الضغط الدبلوماسي الإيجابي عبر الأمم المتحدة أو عبر دول وسيطة (فرنسا – النمسا – الهند).

5. إبقاء البيان العربي المشترك حاضرًا دائمًا كوثيقة سيادية مرجعية.

في عوالم الجغرافيا السياسية لا تُمنح الفرص كثيرًا، وما يجري الآن هو لحظة نادرة تُمكّن الكويت والسعودية من إنهاء نزاع حدودي طويل الأمد بطريقة سلمية وقانونية وذكية.

إذا ما استُثمرت هذه اللحظة، فإن الخليج العربي سيُغلق أحد أخطر ثغراته السيادية، وستُجبر إيران – لأول مرة – على التخلّي عن سياسة الغموض في ملف السيادة البحرية.

التاريخ لا يرحم المترددين.. والفرص الكبرى لا تنتظر طويلًا.

الخاتمة

حقل الدرة لم يكن مجرّد موقع لاستخراج الغاز، بل تحوّل إلى رمز للسيادة العربية وصمود القرار الخليجي في وجه المطامع الإقليمية. ومن خلال البيان الكويتي – المصري، تمّ توجيه رسالة متكاملة:

“لسنا وحدنا، ولن نسمح بالتعدي، وسنحمي ثرواتنا بتحالفاتنا وسيادتنا.”

الدرس الأهم هنا أن وحدة الموقف العربي هي خط الدفاع الأول، ليس فقط عن النفط والغاز، بل عن كرامة القرار والسيادة والحق التاريخي.

زر الذهاب إلى الأعلى