مقالات وكتاب

حين تحترق الضحية من الداخل

في غزة، لا نحتاج إلى خيال شكسبيري لندرك المأساة، فالمسرح مكشوف بكل تفاصيله: الركام، الأطفال، القنابل الذكية، والجمهور العالمي، الذي يتظاهر بالعمى. هناك تجلت أطول عملية تجويع جماعي عرفها العصر الحديث، لم تكن مجرد حصار، بل كانت عرضاً مسرحياً دموياً، تُرك فيه الفلسطيني بلا ماء، بلا دواء، بلا كهرباء، ثم طُلب منه ألا يصرخ، بل ان يعتذر عن مجرد بقائه على قيد الحياة.

عصابة الكيان المحتل لم تعد تخجل، بل تتباهى، تدوس على القانون الدولي بقدمٍ عارية، وتضحك.

تُقصف البيوت والمستشفيات، وتُحرق العائلات جملة واحدة، ثم يُقال لك: هذه أخلاقيات الحرب.

في مسرحية «تاجر البندقية» لوليام شكسبير، أطلق «شايلوك» اليهودي المضطهد عبارته الشهيرة: «ألستم علّمتموني الانتقام؟ إذاً، سأطبّقه… وسأتقنه!»، لكننا اليوم أمام نسخة متوحشة من شايلوك، نسخة لم تعد تطالب برطل من اللحم، بل بمدن كاملة تمحى من الوجود، وشعوب تُجَوَّع حتى تتوسل الموت. القيادات الصهيونية، التي تمارس هذا الظلم والبطش اليوم، هي نفسها التي كان ينظر الى أسلافها كضحايا اضطهاد وكراهية. من أزقة الغيتو ورماد الأفران النازية، أصبحوا مهندسي حصار وتجويع جماعي، لا يردّون على العالم إلا بوابل من القذائف على أطفال غزة.

لا يقتصّون من الجلاد القديم، بل يتفننون في تحويل الضحية الجديدة إلى شاهد قبر حيّ. تدفن كرامة الغزاويين اليوم بلا شهود، وإن لم يُنصفهم التاريخ، فليكن ضمير العالم آخر القضاة. شايلوك نفسه، لو قام من قبره، لاحترق خجلًا من بشاعة تلاميذه.

إن ما يحدث في غزة ليس حربًا، بل هو اختلال مريع في ميزان الأخلاق، ليس صراعًا على الأرض، بل هو استعراض مفتوح للعقاب الجماعي باسم «الدفاع عن النفس»، ولم تعد المسألة أمنية، بل عقائدية: كيف تُربّي شعبًا كاملًا على أن الحياة لا تُمنح.. بل تُؤخذ بصمت؟ ومن خلف الستار، يقف العالم مدهوشًا.. أو متواطئًا. يناقش «التهدئة»، ويقيس «عدد القتلى المقبول»، ثم يلتقط صورة جماعية ويغادر.

أما من تبقّى في غزة، فلا يملكون رفاهية الانسحاب. فهم ليسوا ممثلين في المسرح.. بل هم الخشبة، والدماء، والستار الأخير. لم يُمنحوا دورًا في المسرحية.. بل كُتبت فصولها على جثثهم. وفي المشهد الأخير، صعد شايلوك الجديد لا ليمثل، بل ليحكم، يبتسم، ويقول للعالم: «لقد علّمتموني الظلم، فأتقنته… تفوّقت عليكم جميعًا».

فلا تسألوا لماذا احترقت غزة.. بل اسألوا: كيف بقيت حيّة حتى الآن؟

هناك دعوة وصرخة عالمية ترتفع، لنسهم في هذه الصرخة، ولننضم إلصوتها العالمي.

#صائم_لغزة

#FastForGaza

لمن أراد أن يرى كيف تنبأت الدراما بالمأساة، هذا مشهد شيلوك كما جسده شكسبير:

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى