ابداعاتمقالات وكتاب

يخلق من الشبه ٤٠ يا موظف!!

بقلم: م. علي إبراهيم الحبيتر

في عالمنا العربي، لا تخلو المجالس من الأمثال الشعبية التي حملها الزمن إلينا جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت أشبه ببوصلة اجتماعية ترشدنا في فهم الناس والأحداث. ومن بين تلك الأمثال التي لطالما تكررت على الألسن، يبرز مثل: “يخلق من الشبه أربعين”؛ مثلٌ يتردد عندما نرى شبهًا عجيبًا بين الأشخاص، لا في الشكل فقط، بل في الطباع والتصرفات والسلوك.

ومن زاوية مختلفة، حين ننظر إلى هذا المثل من عدسة الوظيفة وبيئة العمل، تظهر أمامنا صور لأشخاص يتشابهون بطريقة تثير التساؤلات: هل الشبه صدفة؟ أم أن بيئة العمل نفسها تصنع هذا التماثل في الأداء والسلوك، وحتى في الخطأ والتمييع؟

• بين المثل والسلوك الوظيفي:

في بعض الدوائر، قد تجد موظفًا يؤدي مهامه بإخلاص واجتهاد، وبجواره من يُتقن فن التسويف والتغيب، ومع ذلك يتشابهان في نظرة الإدارة!

وهنا تكمن الكارثة: حين لا تُكافأ الإيجابية، ولا تُحاسب السلبية، تُخلق نسخ متكررة من نماذج لا تستحق، وتُطفأ شعلة الاجتهاد في عيون المجتهدين.

وقد قيل:

“من أمن العقوبة أساء الأدب.”

وهكذا، حين تُعرض الإدارة عن تجاوزات بعض الموظفين، سواء بسوء نية أو ضعف متابعة، فإنها تشارك ولو دون قصد في انتشار “عدوى السلوك الوظيفي السيئ”، لا بالمخالطة، بل بالصمت والتجاهل.

• الأثر المتسلسل:

المشكلة لا تقف عند حد الشبه، بل تتفاقم حين يتحول التقليد إلى “منهج”، ويصبح الموظف الجديد نسخة كربونية من سلوكيات قديمة متكررة، لا تميّز فيها سوى بالاسم أو رقم البصمة.

وحينها، تنقلب بيئة العمل من مصنع للنجاح إلى مرآة للتشابه المُخيب، ويضيع التفرد.

• المناعة ضد “النسخ السيئة”:

الحل يبدأ من الداخل؛ فالموظف الواعي هو من يبني لنفسه مناعة ضد “عدوى الإهمال”، ويختار طريق التميز، ولو سار فيه وحده.

وقد قيل في الأثر:

“كن كما أنت، ولا تكن كما يكون الناس إن ضلّوا.”

والحكمة أيضًا تهمس:

“لا تبرر فشلك بتكرار فشل غيرك.”

•خاتمة:

في بيئة العمل، لا يكفي أن نقول: “يخلق من الشبه ٤٠”، بل الأجدر أن نتساءل: من يصنع هذا الشبه؟ وكيف نكسر هذه الحلقة؟

فالتغيير لا يبدأ بإصبع الإشارة نحو الآخرين، بل من داخل النفس أولًا، ومن عدالة القيادة ثانيًا، ومن وعي الموظف ثالثًا.

فإن تشابه الشكل قد يكون قَدَرًا، أما تشابه السلوك السلبي فهو خيار، والخيارات لا تُفرض… بل تُربّى.

زر الذهاب إلى الأعلى