الحكمة ضالة المؤمن

قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) سورة لقمان الآية 12 كثيراً ما أتوقف عند الآيات الكريمة التي وردت في سورة لقمان، أتأمل في الوصايا التي أوصى بها لقمان ابنه، وما فيها من إرشادات كالتوحيد، وبرّ الوالدين، والتواضع وعدم التكبر، والنهي عن المنكر، والصبر، وخفض الصوت، ومن ثم أتفكر في المكانة العظيمة التي وصل إليها لقمان عند الله حتى وصفه بالحكيم.
منذ أن كنت في المرحلة الابتدائية وأنا أحفظ عن ظهر قلب تلك الآيات الكريمة التي جاءت في سورة لقمان، لكني فضولي في تلك الفترة لم يكن ليتجاوز المعاني العامة لتلك الوصايا باعتبارها من المسلمات والبديهيات التي نادى بها جميع الأنبياء والرسل، بل لم أكن مدركاً لمكانة هذا الرجل العظيم الذي أتاه الله الحكمة، ولأهمية تلك الوصايا ودورها في إسعاد البشرية.
أتساءل لماذا خص الله لقمان؟ ولماذا آتاه الحكمة؟ وهو ذلك الرجل البسيط الكادح ذو البشرة السوداء الذي عاش جزءاً من حياته تحت العبودية.
بحثت عن كلمة «الْحِكْمَةَ» في التفاسير القرآنية والمعاجم اللغوية، فكانت النتيجة تدور حول التفقه، وحسن التصرف والإصابة في القول والفعل الذي يجنب صاحبه الوقوع في الخطأ.
وقد قرأت في بعض الروايات أن لقمان الحكيم قد صاحب النبي داود عليه السلام، حيث كان يراقبه وهو يطرق الحديد ليصنع منه درعاً دون أن يسأله عن السبب، رغم أنه لم يكن يعرف عن تلك الصنعة أي شيء، مفضلاً الانتظار والتريث والتأمل عن السؤال حتى يكتمل المشهد أمامه، مما أظهر عمق تفكيره وحكمته.
هنا أنهيت كل تساؤلاتي وفضولي حول الأسباب التي جعلت منه حكيماً عظيماً، وليتحول فضولي إلى المسلمين، وإلى الأسباب التي حالت دون تمسكهم بفضيلة الحكمة رغم أن الله سبحانه وتعالى قد وعد من يعمل بها بالخير الكثير، كما جاء في سورة البقرة الآية 269 «وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً».
اليوم الساحة المحلية والإقليمية تعصف بها الفتن والمخاطر من كل حدب وصوب، وهنا يزداد فضولي عن الأسباب التي تدعونا إلى ترك العمل بتلك النصائح بدلاً من التسرع في إطلاق الأحكام، وترك العنان للانسياق وراء التعصب الأعمى.
الخلاصة: الحكمة ضالة المؤمن حيث تمثل البوصلة التي توجهنا وسط تضارب المعلومات وتزاحم المصالح، إذ تعلّمنا التثبت قبل التصديق، والحلم قبل الرد، والنظر في العواقب قبل اتخاذ القرار، لنصون علاقاتنا ونحفظ توازننا الداخلي، أما حين تغيب الحكمة فيغيب معها العدل والحلم، والعواقب حتمية، حيث ترتد المجتمعات إلى الفوضى والاستقطاب، ويعمّها سوء الظن وفساد القرار، فتصبح الشائعة أسرع من الحقيقة، وتتحول المصالح الشخصية إلى صراعات مدمرة، وينهار معها نسيج الثقة بالمجتمع.
ودمتم سالمين