مقالات وكتاب

«الخليج أولا.. والخليج معًا» ربّ ضارّة نافعة.. كيف وحّد التهديد الإيراني الصف الخليجي

بقلم: رئيس التحرير

في خضمّ الأزمات الكبرى، تتجلّى معادن الأمم، وتُختبر قوة الروابط وصدقها بين شعوبها ودولها، وما نشهده اليوم من تصعيد إقليمي خطير في ظل المواجهة الإيرانية الأمريكية، وما رافقها من تهديدات مباشرة وغير مباشرة لدول الخليج، ليس مجرد حدث عابر في سجلّ السياسة، بل لحظة فارقة أعادت ترتيب الأولويات، وأيقظت في الوجدان الخليجي روحًا طالما كانت حاضرة، لكنها اليوم أكثر وضوحًا وصلابة: روح التلاحم.

لقد أدركت دول الخليج، قيادةً وشعبًا، أن الخطر حين يقترب لا يفرّق بين حدودٍ مرسومة أو سياساتٍ متباينة، بل يطرق الأبواب جميعها دون استثناء، ومن هنا، لم يكن الردّ خليجيًا منفردًا، بل جاء جماعيًا، متماسكًا، يعكس وعيًا عميقًا بأن الأمن كلٌّ لا يتجزأ، وأن المصير مشترك، وأن ما يُهدد دولةً يُهدد الجميع.

إن التلاحم الخليجي الذي نشهده اليوم لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لجذورٍ ضاربة في التاريخ، تعزّزت بالمصير المشترك، والهوية الواحدة، والعادات والتقاليد والروابط الاجتماعية والثقافية التي لم تنقطع رغم اختلاف السياسات أحيانًا.

غير أن التحديات الأخيرة أعادت صياغة هذا التلاحم في صورة أكثر نضجًا وواقعية، حيث تحوّل من شعورٍ وجداني إلى نهجٍ عملي واستراتيجي.

لقد أثبتت الأزمة أن دول الخليج حين تتكاتف، فإنها لا تحمي نفسها فحسب، بل ترسم معادلة توازن جديدة في المنطقة، فمن التنسيق الأمني إلى التكامل الاقتصادي، ومن توحيد الخطاب السياسي إلى تعزيز الجبهة الداخلية، برزت ملامح مرحلة جديدة عنوانها: “الخليج أولًا.. والخليج معًا”.

ولعلّ من أبرز مكاسب هذه المرحلة، أنها أسقطت الكثير من الرهانات على التفكك أو التباعد، وأكدت أن البيت الخليجي، مهما مرّ عليه من خلافات، يظل قادرًا على إعادة ترتيب صفوفه حين تدعو الحاجة، بل إن هذه الأزمة كشفت أن قوة الخليج لا تكمن فقط في موارده، بل في وحدته، وفي قدرته على تحويل التهديد إلى فرصة.

ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن ما حدث قد أعاد تشكيل الوعي الخليجي، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل لدى الشعوب أيضًا، التي عبّرت عن تضامنها بصورة لافتة، سواء عبر وسائل الإعلام أو المبادرات المجتمعية أو حتى في الخطاب الشعبي العام، لقد عاد الشعور بأننا “جسد واحد” ليس كشعار، بل كحقيقة تُترجم في المواقف.

إن “رب ضارة نافعة” ليست مجرد حكمة تقال، بل واقع يتجسد اليوم أمامنا، فالهجوم الذي استهدف زعزعة الاستقرار، كان سببًا في تعزيز التماسك، والتهديد الذي أراد بثّ الخوف، أسهم في ترسيخ الثقة المتبادلة، والتحدي الذي ظنّ الكثيرون أنه سيُضعفنا، أثبت أنه يُقوّينا.

لكن، ورغم هذه الإيجابيات، فإن المرحلة تتطلب وعيًا مستمرًا بأن التلاحم لا يجب أن يكون ردّة فعل مؤقتة، بل مسارًا دائمًا يُبنى عليه مستقبل المنطقة، فالتحديات لم تنتهِ، والتغيرات الدولية متسارعة، ولا مكان إلا لمن يملك وحدة الصف، ووضوح الرؤية، وقوة القرار.

ختامًا، يمكن القول إن الخليج اليوم يقف على مفترق طريق، لكنه ليس طريقًا محفوفًا بالخطر فقط، بل مليء بالفرص أيضًا، وإذا ما أحسن استثمار هذه اللحظة التاريخية، فإن ما بدأ كأزمة، قد يتحوّل إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من القوة والتكامل والاستقرار، بل، والاتحاد الحقيقي.

ربَّ ضارّةٍ نافعة.. نعم، فقد كان التهديد شرارة، وكان التلاحم هو النتيجة.

زر الذهاب إلى الأعلى