السالفة مطولة!

بقلم: د. محمد حسين الدلال
خاب ظن كثر في المجتمع الدولي وفي دول وشعوب منطقة الخليج العربي من انتهاء الحرب الدائرة بين أمريكا وإيران في وقت قصير كما كان يدعي الجانب الأمريكي في مناسبات عدة، وأكد العديد من مراكز الدراسات والمحللين الدوليين أن الحرب القائمة والمستمرة في الخليج العربي بمنزلة حرب استنزاف ممتدة، واعتبر البعض الآخر أن الحرب في مرحلتيها الحالية والقادمة بمنزلة مأزق استراتيجي مستدام لأطراف الحرب ولدول الخليج العربي بصفة خاصة.
تتعدد تبعات وإشكاليات حروب الاستنزاف، فالمصداقية بين أطراف الحرب تتضاءل مما تقل معه نسب انتهاء الحرب أو فرص السلام، وحرب الاستنزاف تزيد من التداعيات الاقتصادية السلبية على دول المنطقة خاصة في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وتراجع فرص الأمن المالي والاستثماري، وحرب الاستنزاف تعني المزيد من الضحايا المدنيين، وتزيد ايضاً من الدمار للبنية التحتية للدول الواقعة في منطقة الخليج العربي، وأخيراً وليس آخراً من المحتمل أن تزيد حرب الاستنزاف من فرص تدويل الحرب ودخول أطراف متضررة من استمرار الحرب، أو اطراف تستفيد بتدخلها مالياً واقتصادياً وسياسياً (تجار الحروب).
في مقال لي سابق بجريدة القبس أشرت الى ان الحرب القائمة حرب وجودية، وفي ظل الظروف الحالية لا تقل أهمية ومصيرية الحرب على دولة الكويت تاريخياً عن حرب الجهراء 1920م وحرب تحرير الكويت 1990م – 1991م، وانطلاقا من امتداد حالة الحرب زمنياً، وأحتمالية استمرار حالة الاستنزاف بين طرفي الحرب وتداعيات ذلك السلبية على الكويت ودول الخليج العربي، الأمر الذي يحتم على الأطراف المسؤولة في دول الحليج العربي إعادة النظر في الطرق والآليات التي يتم التعامل مع هذه المتغيرات الرئيسة في حال ومستقبل المنطقة في ظل استمرار الحرب.
أول صور إعادة النظر في إدارة شؤون الحرب القائمة أهمية قيام الأطراف المسؤولة بالدولة بالتفكير خارج الصندوق، فالدولة مطالبة بأن تكيف حالها ومواطنيها والمقيمين فيها لحرب ممتدة زمنياً وإعداد الشعب لمواجهة الحرب ودعم جهود الدولة في مواجهتها، والدولة مطالبة بأن تتعامل مع مستجدات ومستقبل الكويت في ظل حرب الاستنزاف، ويتبع ذلك من باب الضرورة إنشاء جهاز مدني متخصص لإدارة شؤون الحرب والأزمات يتبع مجلس الوزراء، والحكومة معنية بالاستعانة بمؤسسات استشارية دولية تقدم لها النصح والمشورة في طرق وآليات التعامل مع حرب الاستنزاف من خلال آليات الصبر الإستراتيجي وتحمل الصدمات وتقليل المخاطر والخطوات اللازمة للدفع بإنهاء الحرب، ومن جانب آخر مهم وفي ظل الموقع الجغرافي لدولة الكويت فان حكومة الكويت مطالبة بأخذ خطوات جادة لا بد منها تكون مستمرة للتكامل والتنسيق الكامل مع الشقيقة المملكة العربية السعودية سياسياً واقتصادياً ودفاعياً باعتبار المملكة العربية السعودية العمق الجغرافي والتاريخي لدولة الكويت خاصة في ظل القواسم والأهداف المشتركة لمواجهة الحرب القائمة وتداعياتها، وفي الإطار المحلي على الحكومة إعداد العدة وإيجاد البدائل في حال قيام إيران ووكلائها باعتداءات آثمة على البنية التحتية من مياه وكهرباء ومنشآت مدنية أخرى، أو السعي لتعطيل الحياة المدنية.
نحن جميعا كشعوب ودول الخليج العربي نعيش في ظل الحرب القائمة في لحظة أو فترة تاريخية فارقة، فالمنطقة لن تكون في حال استمرار الحرب أو انتهائها بعد أمد كسابق الأيام، إنها فترة تاريخية تطالبنا بان نتقدم ونصنع مستقبلا أفضل لدولنا ومنطقتنا بعقولنا وأيدينا، وتطالبنا أن نتحلى بصور الشجاعة والجدية لأخذ خطوات مصيرية بالتعاون ابتداءً مع الأشقاء الخليجيين لبناء منظومات أمنية واقتصادية وآليات تعامل مشتركة لمواجهة الحرب الممتدة قبل فوات الأوان.