مقالات وكتاب

«نبكي في المسجد».. إلى أين وصل القلق بأهالي شرق تيماء؟

بقلم: رئيس التحرير 

ظننت أننا قلنا كل شيء عن قضية شرق تيماء.

كتبنا عن القانون والقضاء، وعن التمليك والإيجار والانتفاع، وعن كلفة المشروع، وعن الأموال التي أنفقها السكان على بيوتهم، وعن كبار السن والأمهات والأطفال، وعن الحلول والبدائل الممكنة، وناشدنا المسؤولين، وطرقنا – قدر استطاعتنا – كل باب يمكن أن يقود إلى حل.

لكنني اكتشفت في الأيام الأخيرة أن هناك شيئًا لم نكتب عنه بما يكفي:

ماذا فعل هذا الانتظار بالناس أنفسهم؟

قال لي أحد سكان شرق تيماء عبارة هزتني:

«أطلع من بيتي أبي أروح مكان، ومن كثر التفكير أفاجأ بنفسي في منطقة ثانية!»

رجل يقود سيارته، لكنه لا يقود أفكاره.

جسده في الطريق، وعقله بقي في البيت:

ماذا سيحدث؟

هل سنخرج؟

أين سنذهب؟

كيف أجد بيتًا آخر لأسرتي؟

وماذا أفعل بأثاثي؟

وماذا عن أبنائي ومدارسهم وحياتهم؟

ثم سمعت ما هو أشد ألمًا.

يقول لي بعض الأهالي إن رجالًا منهم يبكون في المسجد من شدة الهم والخوف على أسرهم وبيوتهم.

وأخبرني آخرون أن بعض أهل شرق تيماء ذهبوا إلى العمرة، لكنهم حملوا معهم همّ بيوتهم إلى بيت الله الحرام، حتى إن بعضهم -كما يروي الأهالي- صار من شدة ما يشعر به من ضيق يدعو على من يعتقد أنه تسبب في هذه المأساة.

وأنا هنا لا أدعو على أحد، ولا أتمنى أن يُدعى على أحد، ولا أريد لهذه القضية أن تزرع غضبًا أو خصومة بين المواطن ومسؤولي دولته.

لكنني أتوقف أمام المشهد وأسأل:

إلى أين وصلنا بالناس حتى حملوا خوف بيوتهم معهم إلى المسجد وإلى العمرة؟

حين يبكي الرجل في المسجد،

وحين تبيت الأم وهي لا تعرف هل تبدأ بجمع أثاث بيتها أم تنتظر،

وحين يقود الأب سيارته فيضل طريقه من كثرة التفكير، فالمسألة لم تعد مجرد عقد إيجار وموعد إخلاء.

أصبحت همًّا يسكن أكثر من 500 أسرة.

وأقول للحكومة بكل محبة: حتى لو كانت لديها وجهة نظر قانونية تختلف عن وجهة نظر السكان، وحتى لو كانت ترى أن لها حقًا في استرداد هذه المساكن، فليس هناك ما يمنع أن تتوقف قليلًا عندما ترى هذا الحجم من الخوف، وأن تعيد دراسة المشهد بكل أبعاده الإنسانية والقانونية والاجتماعية.

ثم إننا عندما نقول: وجهة نظر الحكومة ووجهة نظر السكان، علينا ألا ننسى سؤالًا بسيطًا:

أليست هذه حكومة هؤلاء السكان أيضًا؟

أليست حكومة الشعب الكويتي كله؟

الحكومة ليست خصمًا للمواطن،

والمواطن ليس خصمًا لها.

وإذا اختلف المواطن مع جهة حكومية في تفسير قانون أو قرار، فإن الحكومة تظل حكومته، وهي التي يلجأ إليها بعد الله عندما تضيق به السبل،

وهي القادرة على أن تجمع بين حق الدولة وحق الإنسان،

وبين تطبيق القانون وحماية الأسرة،

وبين إدارة أملاك الدولة وصون الاستقرار الاجتماعي.

وهؤلاء السكان ليسوا غرباء عن الدولة، ولا يقفون في الجهة المقابلة لها.

إنهم مواطنون كويتيون، والحكومة حكومتهم، والبيوت في وطنهم، والقضاء قضاؤهم.

ولذلك فإن تأجيل قرار أو إعادة دراسته عندما تظهر آثاره الإنسانية والاجتماعية ليس ضعفًا في الحكومة، بل قد يكون من أقوى صور الحكمة.

فالقرار الحكيم ليس فقط القرار الذي تستطيع الدولة تنفيذه، وإنما القرار الذي تستطيع بعده أن تقول:

حفظنا حق الدولة، ولم نكسر خاطر مواطن.

لقد تحدثنا سابقًا عن الحلول، ولا أريد أن أعيدها اليوم.

تحدثنا عن التمليك،

واستمرار الإيجار أو الانتفاع،

وإعطاء القضاء فرصته،

ومنح الأسر وقتًا كافيًا إذا أُصر على الإخلاء.

اليوم أريد شيئًا أبسط من كل ذلك.

طمئنوا الناس.

قولوا لهم رسميًا ماذا سيحدث.

اقطعوا الطريق على الشائعات التي تدخل بيوتهم كل ساعة.

اجلسوا معهم.

اسمعوا منهم.

وإذا كان القرار ما زال قيد الدراسة، فقولوا لهم إنه قيد الدراسة.

وإذا كانت هناك فرصة للحل، فافتحوا بابها.

يا سمو رئيس مجلس الوزراء،

ويا معالي وزير الإسكان،

ويا مسؤولي المؤسسة العامة للرعاية السكنية؛

ربما ترون أمامكم ملفات وعقودًا وأرقامًا ومواعيد، لكن خلف كل ملف إنسان له قلب وأسرة وبيت وذكريات.

والناس اليوم مهمومة.

بعضهم لا ينام.

وبعضهم يبكي.

وبعضهم لم يعد يعرف وهو يقود سيارته إلى أين وصل من كثرة التفكير.

وهنا يجب أن نتوقف جميعًا.

لم نكتب هذا المقال لنضغط على أحد، ولا لنتهم أحدًا، وإنما لننقل صوت أناس ربما لم يعد لديهم ما يقولونه سوى:

تعبنا.

فيا حكومة الكويت

الهم بلغ ببعض مواطنيكم حد البكاء في بيوت الله.

طمئنوهم.

فربما تكون كلمة واحدة منكم اليوم كفيلة بأن تعيد النوم إلى عيون أكثر من ثلاثة آلاف مواطن كويتي، ينتظرون من حكومتهم كلمة تطمئن قلوبهم.

زر الذهاب إلى الأعلى