العبقري… أنت أم هم؟

بقلم: المهندس علي إبراهيم الحبيتر
” ليس كل من سافر عبقريًا، وليس كل من بقي عاديًا.”
مؤخرًا، لفتني منشور في منصة X (تويتر سابقًا)، يروي قصة تخرج أحد الطلبة المبتعثين من جامعة أمريكية عريقة.
الإنجاز كان ملهمًا دون شك، لكن ما استوقفني تعليقٌ من أحد المتابعين قال فيه:
“هنيئًا لهذا العبقري”
تأملت الكلمة مليًّا… هل يُمنح الإنسان لقب العبقري لمجرد دراسته في الخارج؟ أم أن هناك عمقًا فكريًا وسياقًا بيئيًا أوسع وراء هذه الصفة؟
من يُطلق هذه التسمية؟ وهل الجامعات الغربية تصنع العباقرة، أم أنها فقط تُرحب بهم وتُفسح لهم المجال ليظهروا؟
ما معنى العبقرية؟
بحسب موسوعة Britannica، فإن العبقرية (Genius) هي:
“قدرة عقلية استثنائية تتجلى في الإبداع، الابتكار، أو الإنتاج المتميز في مجالات محددة، وغالبًا ما تكون مصحوبة بدرجة عالية من الحدس والرؤية.”
بمعنى آخر، العبقرية ليست لقبًا يُمنح من الخارج، بل هي قدرة داخلية تُكتشف وتُصقل، ويُقاس أثرها بما يُنتجه صاحبها من تغيير وفائدة حقيقية.
الدراسة في الخارج… طريق للتميّز أم اختبار للواقع؟
لا شك أن الجامعات الأمريكية والبريطانية تتمتع بمستوى أكاديمي متقدم، وبيئة تعليمية تُشجع على التفكير النقدي، والابتكار، وتحمّل المسؤولية. كثير من طلبتنا المبتعثين يُبدعون هناك، ويحققون إنجازات علمية وشخصية تستحق الفخر.
لكن يبقى السؤال المحوري:
هل مجرد الدراسة في الخارج تمنحك لقب “عبقري”؟
أم أن تلك البيئة فقط تكشف عن طاقاتك وتُهيّئ لك المساحة لتزهر؟
البيئة… تصنع الفرق لا الشخص
الواقع أن الجامعات الغربية لا “تصنع” العبقرية، لكنها تخلق بيئة تحفّزها.
بيئة تتيح للطالب أن يُخطئ ويتعلم، أن يُناقش بلا خوف، أن يعبّر عن رأيه ويُسهم في البناء، أن يكون ذاته لا مجرد رقم في صف.
هي بيئة تقول للطالب:
“كن أنت، وسنساعدك أن تكون الأفضل.”
لكن حين يعود المبتعث إلى بيئته الأولى، كثيرًا ما يُصطدم بجدران من البيروقراطية أو الجمود أو قِصر النظر، فلا تُحتضن أفكاره، ولا يُقدّر جهده، فيبدأ في التراجع… لا لنقص فيه، بل لضيقٍ في الفضاء الذي عاد إليه.
المهارات الحياتية… جوهر العبقرية الحقيقية
العبرة ليست في الشهادات، بل في ماذا تفعل بما تعلمته.
العبقري الحقيقي هو من يحوّل المعرفة إلى أثر، والعلم إلى وعي، والدراسة إلى مشروع إنساني أو مهني يخدم محيطه.
وهنا تبرز أهمية المهارات الحياتية:
مهارات التفكير، القيادة، الحوار، إدارة الوقت، الوعي الذاتي، اتخاذ القرار، والتكيف.
هذه المهارات هي التي تُشكّل جوهر العبقرية الواقعية، وهي التي تحدد ما إذا كنت ستبقى “متميزًا” بعد عودتك، أم مجرد “خريج من الخارج”.
إلى أين تتجه العبقرية؟
العبقرية لا تتجه نحو الغرب أو الشرق،
لا تجعل المكان وحده من يحدد قدرك، ولا تسمح لأي بيئة أن تُقيّدك أو تهمّشك.
“العبقري هو من يرى ما لا يُرى، ويسلك ما لا يُسلك، ويصنع الفارق حتى إن عاد إلى نقطة البداية.