مقالات وكتاب

ترامب و كارني ونقل مقر جامعة الدول العربية للرياض

بقلم: رئيس التحرير

لم تكن كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس خطاباً دبلوماسياً أنيقاً، بل كانت إنذاراً سياسياً صريحاً: “النظام الدولي القديم انتهى…ولن نرثيه”.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفهم أين يقف العالم حاليا: نحن لا نعيش أزمة عابرة، بل نعيش انهياراً كاملاً لفكرة” العالم المحكوم بالقواعد”.

لم تعد القوانين الدولية مظلة أمان، ولم تعد المؤسسات العالمية ضماناً، ولم يعد الحلفاء حصناً ثابتاً، كل شيء صار قابلاً للتفاوض، وحتى المبادئ أصبحت “بنودًا” في عقد مصالح.

في زمن ترامب أو بالأصح في زمن “عقلية ترامب” يعود العالم إلى أبسط قاعدة عرفها التاريخ: القوة أولاً، ومن لا يملكها يدفع الفاتورة.

كارني لا يجمّل الحقيقة، بل يضعها في عبارة قاتلة: “حين تتوقف القواعد عن حمايتك،عليك أن تحمي نفسك”.

وهنا يسقط الوهم الأكبر: أن هناك نظاماً عالمياً سيقف تلقائياً مع الضعيف. لا. الضعيف لا يُحمى…الضعيف يُستَخدم.

ثم تأتي عبارته الأشهر كأنها طلقة رصاصة في منتصف القاعة: “إذا لم تكن على الطاولة، كنت على قائمة الطعام”.

إنه يشرح العالم الجديد بدقة مذهلة: العلاقات الدولية لم تعد ساحة “تفاهم”، بل أصبحت مائدة توزيع نفوذ؛ من يجلس يأخذ، ومن يقف يُؤكل.

والأشد خطورة أن كارني يفضح مرض القوى المتوسطة: عندما يتفاوض كل بلد وحده مع القوة المهيمنة، يتفاوض من موقع الضعف، فيقبل ما يُعرض عليه، ثم تتحول العلاقة إلى إذعان، وتتحول السيادة إلى تمثيل، ولهذا قالها كارني بوضوح: “هذه ليست سيادة، بل تظاهر بالسيادة”.

وهنا تحديدًا تكمن مأساة المرحلة: أن بعض الدول لا تُهدَّد بالسلاح فقط، بل تُبتز اقتصادياً، وتُحاصر مالياً، وتُعاقب تجارياً، ثم تُدفَع لتقديم تنازلات، ليس لأنها تريد، بل لأنها لا تملك بديلاً.

ما الخطوة القادمة للرئيس ترامب؟

وما شكل النظام الدولي الجديد الذي يُعاد تشكيله حاليا؛ في أوروبا، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وآسيا، والأميركتين؟

نحن لا نتحدث عن رئيس يغيّر وجوه الإدارة، بل عن عقلية سياسية كاملة تربك الحسابات التقليدية، ويصعب التعامل معها بمنطق الأمس.

الإجابة واضحة: ترامب لا يغيّر الأشخاص فقط، بل يغيّر قواعد اللعبة نفسها: يعيد ضبط العالم على منطق “الصفقة” بدل “القانون”، وعلى “الضغط” بدل “التحالف”، وعلى “المصلحة الآنية”، بدل “الاستقرار الطويل”.

لكن كارني لا يكتفي بالتشخيص، بل يضع يده على العلاج، ويقدم خياراً صارماً بلا تجميل:

أولاً: طريق الرضا:

أن تتنافس القوى المتوسطة على من يُرضي القوة الكبرى أكثر، ومن يقدّم التنازلات أسرع، ومن يقبل شروطاً أشدّ قسوة مقابل “حماية موقتة”، حماية قد تُسحب في أول أزمة، أو تُباع في أول صفقة.

ثانياً: طريق المسار الثالث: وهذا هو العلاج الحقيقي:

أن تبني القوى المتوسطة كتلة عقلانية متماسكة، لا ترفع شعارات مثالية، ولا تتغنى بخطابات بلا أدوات، بل تصنع وزناً واقعياً يمنع ابتلاعها دولةً بعد دولة، وملفاً بعد ملف، وصفقةً بعد صفقة.

وإذا أردنا ترجمة “المسار الثالث” إلى فكرة تاريخية مفهومة، فهو أقرب ما يكون إلى عدم الانحياز،لكن بنسخته الجديدة: عدم انحياز عملي لا عاطفي، قائم على المصالح والقوة التفاوضية، لا على التصفيق في القاعات.

وصفة النجاة: كيف يُصنع المسار الثالث؟

أولًا: بناء تحالف اقتصادي عميق بين القوى المتوسطة:

(تجارة، استثمار، سلاسل إمداد، أمن غذائي وطاقة)، لأن من يملك الاقتصاد يملك قرار “نعم” وقرار “لا”.

ثانيًا: تنسيق أمني وسيبراني مشترك:

لأن حروب اليوم لا تبدأ بالصواريخ.. بل تبدأ بتعطيل الشبكات، وضرب البيانات، وإرباك الداخل قبل إسقاط الخارج.

ثالثًا: إنشاء مظلة مالية وتبادلية تقلل الارتهان لأدوات الضغط التقليدية:

حتى لا تتحول العملة والتحويلات والتجارة إلى سلاحٍ يُشهر في وجه من يرفض.

رابعًا: توحيد المواقف التفاوضية:

لا تفاوض منفرد.. بل تفاوض جماعي يرفع “ثمن الابتزاز” سياسيًا واقتصاديًا، ويمنع تحويل كل دولة إلى لقمة سهلة على طاولة الصفقات.

خامسًا: امتلاك أدوات الردع الناعم:

الإعلام، التقنية، الموانئ، الممرات التجارية، وملفات الطاقة، لأن التأثير اليوم ليس جيشًا فقط، بل شبكة نفوذ كاملة.

الخلاصة التي يصرخ بها مارك كارني دون أن يرفع صوته:

العالم لا يحترم من يطلب مكانًا.. العالم يحترم من يفرض وزنه.

وهنا نفهم لماذا كانت كلمته مخيفة:

لأنه لا يتحدث عن “خطر قادم”، بل عن واقع بدأ بالفعل.

ومن يتأخر عن الاستعداد لن يخسر امتيازًا.. بل قد يخسر استقلاله.

وفي زمن ترامب، لا يكفي أن تقول: “نحن دولة ذات سيادة”! السيادة في هذا العصر لا تُقاس بالشعارات.. بل بسؤال واحد:

هل تستطيع أن تقول: لا.. دون أن تُسحق؟

والعرب اليوم أمام لحظة لا تقبل الترف ولا التأجيل: إمّا أن نصنع وزنًا جماعيًا يحمي مصالحنا، أو ندفع ثمن التفاوض فرادى.. كلٌ على حدة، وكلٌ من موقع أضعف.

في عالم ترامب لا تُمنَح السيادة بالمجاملات، ولا تُحفظ بالبيانات؛ السيادة تُصنع بالقدرة، وبالبدائل، وبالتحالفات التي تتحول إلى مؤسسات، لا إلى شعارات موسمية.

ومن هنا تصبح الخطوة المنطقية: إحياء عدم الانحياز بروحه الجديدة.. عدم انحيازٍ عملي لا خطابي، قائم على المصالح وسلاسل الإمداد والتجارة والمال والتقنية، لا على التصفيق في القاعات.

وبالتوازي، يجب تفعيل ‎جامعة الدول العربية لا كمنبر بيانات، بل كغرفة قرار حقيقية، بل إن اللحظة التاريخية تفرض خطوة أكثر جرأة: نقل مقر الجامعة إلى ‎الرياض، لتكون أقرب لمركز الثقل العربي الجديد، وأكثر قدرة على الفعل وربط القرار بالاقتصاد والأمن.

كما أن توسيع فضاء الجامعة وعمقها الاستراتيجي بات ضرورة، عبر فتح المجال لضم دول من العمق الأفريقي القريب من المجال العربي والإسلامي مثل ‎تشاد و ‎مالي و ‎السنغال وغيرها، ضمن صيغة شراكة أو عضوية تدريجية مدروسة، لأن المستقبل لمن يوسّع تحالفاته لا لمن يحاصر نفسه داخل حدوده.

ولا يكتمل البناء دون بعث منظمة التعاون الإسلامي وتقوية دورها،

وتعزيز مجلس التعاون الخليجي وربطه بمنظومات عربية أوسع، لأن زمن التكتلات قد عاد.. بل صار يفرض نفسه! ومن لا يبني تكتله بيده سيُفرض عليه تكتل غيره.

لكن الأهم: أن يتحول “المسار الثالث” إلى أدوات تنفيذ ملموسة، ولهذا فإن مشروعنا جاهز للتقديم والعمل:

الغرفة الاقتصادية العربية الأفريقية، بوصفها منصة استراتيجية تربط العرب بعمقهم الأفريقي وتحوّل الجغرافيا إلى نفوذ: تجارة واستثمار، أمن غذائي وطاقة، ممرات لوجستية، وأسواق تمتد من البحر إلى الداخل.

وبالتوازي، مشروع الغرفة الاقتصادية العربية الآسيوية جاهز كذلك، ليؤسس امتدادًا عمليًا نحو الشرق حيث تتشكل خرائط الاقتصاد والتقنية.

وكذلك الغرفة الاقتصادية العربية الروسية، كجسر مصالح يحفظ التوازن ويمنح العرب مساحة تفاوض أوسع في عالم يتغير بسرعة.

ولتكامل الدائرة التجارية في الإقليم، نطرح أيضًا منظمة التجارة العربية التركية، كمنظومة تعاون استراتيجية تستوعب حجم المصالح المتبادلة، وتبني شراكة مستقرة لا تُدار بردود الأفعال.

ولأن أي مشروع بلا مركز قرار يصبح فكرة على الورق، فإن الرياض هي المكان الطبيعي لتكون مقر هذه المنظومات، لا باعتبارها مدينة، بل باعتبارها اليوم عاصمة ثقل عربي وإسلامي قادرة على جمع الأطراف، وتمويل المبادرات، وتحويل التكامل من حلم إلى مؤسسة، ومن بيان إلى نفوذ.

الخلاصة التي تفرض نفسها:

العالم لا يحترم من يطلب مكانًا.. العالم يحترم من يفرض وزنه.

ومن لا يصنع مقعده اليوم على الطاولة، سيستيقظ غدًا ليجد اسمه داخل قائمة الطعام.

زر الذهاب إلى الأعلى