تعديل قانون العنف الأسري… تشريع أم تدمير للأسرة الكويتية؟

بقلم: رئيس التحرير
انطلاقا من الحرص على استقرار الأسرة الكويتية باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع، فإن أي تشريع يمس الكيان الأسري يجب أن يتم صياغته بمنتهى الحكمة والدقة، ليحقق التوازن بين حماية الأفراد من أي اعتداء حقيقي وبين الحفاظ على تماسك الأسرة واستقرارها.
غير أن التعديل الأخير على قانون العنف الأسري يثير قلقا واسعا لدى كثير من المهتمين بالشأن الاجتماعي والقانوني، لما قد يحمله من آثار عكسية خطيرة قد تظهر تبعاتها تدريجيا في السنوات القادمة، وتمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله.
فمن أبرز مآخذ القانون المعدل أنه وسّع تعريف العنف الأسري ليشمل مفاهيم فضفاضة في وصف العنف النفسي والمالي دون ضوابط واضحة، مما يخلط بين العنف الحقيقي والخلافات الأسرية اليومية.
فالحياة الأسرية بطبيعتها لا تخلو من اختلاف في الرأي أو نقاش أو توتر عابر؛ لكن إدخالها ضمن إطار العنف النفسي أو المالي يفتح الباب لتحويلها إلى شكاوى قانونية بلا داعي.
كما سهّل القانون إجراءات التشاكي بشكل كبير، إذ استحدث منصات الكترونية وخط ساخن لتلقي الشكاوي، مما يؤدي إلى تضخم البلاغات، والنزاعات الأسرية البسيطة، وإغراق النيابات والمحاكم بقضايا كان يمكن حلها بالوساطة.
بيد أن المستفيد الفعلي من تضخم هذه النزاعات وتزايدها بهذا الشكل هم المحامون، وبعض الجهات والجمعيات الفئوية، بينما الخاسر الحقيقي هو الأسرة الكويتية خصوصاً الطفل.
ومع ضعف الردع تجاه الشكاوى الكيدية، خاصة في ظل توسع مفهوم العنف النفسي والمالي والجسدي والجنسي قد يُستغل القانون كوسيلة ضغط داخل النزاعات الأسرية، حيث تتحول خلافات عادية أو توبيخ تربوي إلى بلاغات رسمية، تدخل الطرف الآخر في دوامة تحقيقات وإجراءات نيابية.
ولا ينال من ذلك وجود عقوبات على الشكاوى الكيدية، إذ إن التطبيق العملي بهذا الشكل يوسع نطاق البلاغات، لتشمل أي خلافات بسيطة أو عتاب أو انزعاج عابر، فيتم تصويرها كعنف أسري، وبالتالي يصبح إثبات كيدية الشكوى أمراً صعباً عملياً، مما يفتح الباب لاستغلال القانون، وزيادة النزاعات بين الأطراف بدلاً من حلها، فيستفيد من ذلك بعض الفئات كما اسلفنا.
ولتحقيق العدالة يجب السماح بالمطالبة بالتعويض الرادع، وليس الاكتفاء بالتعويض المحدود الحالي، حتى عند حفظ البلاغ لعدم ثبوت الكيدية، إذ إن فتح باب الشكاوى دون ضمانات يرهق الأطراف بسيل من التحقيقات والتقاضي، بما يعصف بقدسية العلاقات الأسرية.
وبرؤية مستقبلية سنجد أن الآثار الحقيقية لهذا القانون ستؤدي إلى ارتفاع الطلاق، والعزوف عن الزواج وتوسع النزاعات الأسرية، مما يضعف دور الوالدين ويزيد مظاهر عقوقهم، وهذه النتائج إن حدثت فإنها لن تكون مجرد مشكلة قانونية ولكنها ستساهم في تحول اجتماعي خطير يمس استقرار المجتمع بأكمله.
هذا ومما يؤخذ أيضاً على القانون منحه المحاكم وجهات التحقيق صلاحيات واسعة، لإصدار أوامر الحماية للضحايا من العنف الاسري دون ضوابط محددة مما قد يتعارض مع قانون الأحوال الشخصية وحجية الاحكام ومدى قوتها التنفيذية حيث تضمن هذا القانون بعض التدابير مثل منع الاتصال بالمعتدى عليه ومنع تواجدهما في مكان واحد.
كما يثير القانون ايضاً إشكالاً شرعياً يخص قوامة الرجال على النساء التي نص عليها القرآن الكريم، حيث أن الصياغات الفضفاضة قد تحوّل الأب أو الزوج إلى طرف مهدد بالمساءلة في كل موقف تربوي أو أسري.
ويخالف ايضاً السنة النبوية التي أجازت التأديب غير المبرح كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر) إلا أن تجريم أي صورة من التأديب قد يضع الوالدين في موقف متردد بين أداء دورهم التربوي والخوف من المساءلة القانونية.
هذا ويثير القانون إشكالاً آخر يتعلق بإصدار أوامر الحماية قبل انتهاء التحقيق وثبوت الاتهام، مثل منع الاتصال أو الاقتراب أو الإبعاد عن المنزل أو إلزام المشكو في حقه ببرامج علاج أو التزامات مالية، وقد تصدر هذه التدابير قبل الفصل النهائي في الشكوى، مما يترتب عليه آثار اجتماعية وقانونية قد تتعارض مع قوانين أو أحكام قضائية واجبة النفاذ، خاصة أحكام الرؤية مما يخلق إشكالية في تحديد الجهة المنوط بها حسم هذا التعارض، ليزيد بذلك تعقيد النزاعات الأسرية، مساهما بذلك في انتهاك خصوصية الأسرة بآلاف الشكاوى التي يغلب عليها الطابع الكيدي الانتقامي.
وأوجب القانون الجديد الإبلاغ عن أي واقعة يُشتبه بأنها عنف أسري، وفرض عقوبة على المتخلفين عن الإبلاغ، بل ووضع حماية للمبلغ، مما قد يضاعف البلاغات الناتجة عن خلافات عائلية عادية أو سوء فهم المشاهد للواقعة، إذ يسمح القانون لأي شخص بالتبليغ عن أحداث قد لا تكون حدثت فعلياً، مما يزيد من عدد البلاغات، ويفاقم النزاعات بدلاً من احتوائها.
كما يثير التوسع في اختصاصات اللجنة الوطنية تساؤلات حول التدخل المؤسسي في الحياة الأسرية، إذ قد يزيد من تدخل الحكومة وموظفيها في شؤون الأسرة، مع تقديرات تصدر عن أشخاص غير مطلعين تماماً على ظروف الأسرة، مما يحول القانون من أداة حماية إلى وسيلة لتعقيد النزاعات وتهديد خصوصية الأسرة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء حماية ضحايا العنف الأسري، بل إعادة النظر في نصوص القانون، ووضع ضوابط دقيقة، لتعريف هذا العنف، وتنظيم الشكاوى، لمنع إساءة الاستخدام بما يحد من التوسع غير المبرر فيها، وذلك من خلال إعادة ضبط مفهوم العنف، وفرض عقوبات وتعويضات رادعة في حال التعسف أو حفظ الشكوى.
ومع هذه التعديلات المتسرعة، والتي تفتح أبواب البلاغات على مصراعيها، وتحول الخلافات اليومية إلى قضايا رسمية؛ فإننا نقدر اجتهاد معالي وزيرة الشؤون نحو الحد من العنف الأسري، إلا أن الحماسة التشريعية وحدها قد لا تكفي ما لم تُراعَ طبيعة الأسرة الكويتية، مما يثير التحفظات بشأن آثار هذا الاجتهاد المتسرع ونتائجه العكسية الحتمية، مثل زيادة النشاط لدى بعض المحامين المتنفعين، كما ستجد بعض الجمعيات النسائية مادة لا تنتهي من البلاغات سواء حقيقية أو كيدية، وتتحول الأسرة الكويتية إلى ساحة صراع، ويجعل القانون الذي تم تقديمه تحت عنوان حماية الأسرة سببا إضافيا في زيادة عوامل تفككها، برعاية قانونية كاملة، بعد طول انتظار ووعود بتحسين بيئة الأسرة، والحد من أسباب انهيارها.