مقالات وكتاب

هل نكافئ الأسر الكويتية بالإخلاء بعد أن أنفقت أعمارها ومدخراتها؟

بقلم: رئيس التحرير 

كلما تعمقت في قضية «من باع بيته»، ازددت يقيناً بأن كثيراً من الناس لا يعرفون حقيقتها كاملة، بل إن بعض تفاصيلها قد تكون غائبة حتى عن بعض المسؤولين وصناع القرار.

فالحديث هنا لا يتعلق بمجموعة من المواطنين يطالبون بامتياز جديد، ولا بفئة تريد تجاوز القانون، وإنما بأسر كويتية التزمت بالأنظمة الرسمية، واعتمدت على حلول أقرتها الدولة بنفسها، ثم بنت عليها حياتها ومستقبل أبنائها، فإذا بها اليوم تواجه خطر الإخلاء والعودة إلى نقطة الصفر.

ونأمل أن تصل هذه الرسالة إلى سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد عبد الله الأحمد الصباح،

وإلى معالي الشيخ فهد اليوسف الصباح نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية،

وإلى معالي نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير دولة لشؤون مجلس الوزراء شريدة عبد الله سعد المعوشرجي،

وإلى معالي وزير الدولة لشؤون الإسكان المهندس عبداللطيف المشاري،

وإلى الأخت الفاضلة الشيخة بيبي اليوسف الصباح،

وإلى معالي وزيرة الشؤون الاجتماعية وشؤون الأسرة والطفولة الدكتورة أمثال هادي هايف الحويلة،

وإلى معالي وزير المالية الدكتور يعقوب السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي،

وإلى معالي وزير العدل ناصر يوسف محمد السميط،

وإلى معالي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي الدكتور نادر عبد الله محمد الجلال

وإلى معالي وزير التربية الدكتور سيد جلال سيد عبد المحسن الطبطبائي،

وإلى معالي وزيرة الأشغال العامة الدكتورة نورة محمد خالد المشعان،

وإلى كل أعضاء حكومة الكويت الموقرة، وكل المسؤولين في دولة الكويت..

أخاطبهم؛

لأنني على يقين بأن هدف الجميع هو حماية الأسرة الكويتية وتحقيق العدالة، وليس زيادة معاناة مئات الأسر التي أفنت أعمارها وهي تبحث عن الاستقرار.

ولعل أول حقيقة يجب أن تُصحح هي أن كثيراً من المواطنين يعتقدون أن فئة «من باع بيته» حصلت على بيوت حكومية ثم باعتها، وهذا في أغلب الحالات غير صحيح.

فالكثير منهم اشترى منزله من السوق بماله الخاص مستعيناً بقرض بنك التسليف والادخار، ولم ينتظر دوره الإسكاني، وبذلك خرج من قوائم الانتظار، واستفاد غيره من المواطنين من تلك الأدوار.

أي أنهم خففوا العبء عن الدولة، ولم يكونوا عبئاً عليها.

وعندما اضطروا لاحقاً إلى بيع تلك البيوت، لم يحتفظوا بقروض الدولة، بل أعادوا كامل قرض بنك التسليف، لأن العقار كان مرهوناً للبنك، ولا يمكن بيعه أو نقل ملكيته إلا بعد سداد المديونية كاملة.

ثم جاءت الطفرة العقارية التي يعرفها الجميع، وقفزت أسعار الأراضي والبيوت إلى مستويات لم يكن أحد يتوقعها، فأصبح امتلاك منزل جديد شبه مستحيل بالنسبة لكثير منهم.

وحينها وفرت الدولة لهذه الفئة مساكن بنظام الإيجار والانتفاع، فدخلوا إليها بصورة قانونية ورسمية، واطمأنوا إلى أن رحلة البحث عن السكن قد انتهت.

لكن الحقيقة التي لا يعرفها كثير من الناس أن هذه البيوت لم تكن جاهزة للسكن بالشكل الذي يتصوره البعض.

لقد استلم المواطنون منازل بلا أجهزة تكييف، وإنما مجرد تمديدات داخل الجدران.

واستلموا بيوتاً بلا مطابخ مجهزة.

ولا مصاعد، بل مجرد بيت للمصعد.

واستلموا أسطحاً غير مكتملة، وبعضها لم يكن فيه سوى سور حديدي منخفض يحتاج إلى استكمال حفاظاً على سلامة الأسرة.

كما احتاجت التمديدات الصحية والكهربائية، وأعمال الديكور، والأرضيات، والأسقف، إلى إصلاحات وتجهيزات قبل أن تصبح هذه البيوت صالحة للعيش الكريم.

ولهذا أنفق بعضهم 10 آلاف دينار، وأنفق آخرون 20 ألفاً، ووصل إنفاق بعض الأسر إلى 30 و40 ألف دينار، وكل ذلك من مدخراتهم أو من قروض مصرفية ما زال كثير منهم يسدد أقساطها حتى اليوم، وبعضها يمتد إلى 10 و15 سنة.

بل إن بعض الآباء اضطروا إلى الاستعانة بأبنائهم وتحميلهم قروضاً حتى يستطيعوا تجهيز بيوت ظنوا أنها ستكون مستقراً دائماً لهم.

واللافت أن الدولة نفسها استفادت من هذه التجربة.

فعندما نفذت لاحقاً مشروع «من باع بيته» في مدينة صباح الأحمد، تداركت كثيراً من النواقص الموجودة في مشروع تيماء، فجاءت البيوت أكثر اكتمالاً، وأكثر جاهزية للسكن، وهو ما يؤكد أن الملاحظات التي أبداها الأهالي كانت حقيقية، وأن التطوير الذي حدث في المشاريع اللاحقة لم يأت من فراغ، بل نتيجة ما واجهه سكان المشروع الأول من تحديات وتكاليف إضافية.

ومن هنا يبرز سؤال مهم:

إذا كانت الدولة نفسها أدركت تلك النواقص، وطورت المشاريع اللاحقة، فهل من العدل اليوم أن تُطالب الأسر التي تحملت تكلفة تلك النواقص بإخلاء البيوت، بعد أن أنفقت عليها عشرات الآلاف من الدنانير؟

وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية.

ما المكسب الذي ستحققه الدولة من الإخلاء؟

إذا خرجت هذه الأسر، فإنها ستعود من جديد إلى البحث عن مساكن، وستلجأ إلى شراء بيوت، وستحصل على قروض إسكانية جديدة من بنك الائتمان.

وبافتراض أن 3000 مواطن فقط سيتجهون للحصول على قرض بقيمة 70 ألف دينار، فإن الدولة قد تتحمل أكثر من 200 مليون دينار كتمويلات جديدة، بينما هذه الأسر تدفع اليوم إيجارات سنوية بملايين الدنانير تعود إلى خزينة الدولة.

فأي الخيارين أقل كلفة؟

أن يبقى المواطن مستقراً في مسكنه، أم أن تتحمل الدولة مئات الملايين لإيجاد حلول جديدة لمواطنين كانت قد وفرت لهم حلاً قائماً؟

ثم إن الجانب الإنساني لا يقل أهمية عن الجانب المالي.

فمعظم أصحاب هذه البيوت تجاوزوا 60 عاماً، وكثير منهم تجاوزوا 70 و75 عاماً، وبعضهم تجاوز 80 عاماً.

فهل يُعقل أن يبدأ رجل في هذا العمر رحلة جديدة للبحث عن بيت، ونقل أثاثه، ومغادرة جيرانه، وترك الذكريات التي صنعها مع أبنائه وأحفاده؟

وهل من العدالة أن يُطلب منه إعادة بيت أنفق عليه عشرات الآلاف من الدنانير، وقد ركّب التكييف، وأكمل التشطيبات، وأصلح الأرضيات والحمامات، وأقام المظلات، وجهز كل ما يلزم ليصبح صالحاً للسكن؟

إن هذه القضية ليست قضية امتيازات.

وليست قضية مطالب مالية.

إنها قضية استقرار.

وقضية ثقة.

وقضية وفاء بين الدولة ومواطنيها.

ومن هنا فإنني أرى أن الحلول موجودة إذا توفرت الإرادة.

وأفضلها أن تُمنح هذه الفئة فرصة تملك هذه المساكن بالقرض الإسكاني، وهو حل يحقق الاستقرار للمواطن، ويوفر على الدولة أعباء مالية مستقبلية ضخمة، ويتوافق مع التوجهات التي سبق أن أعلنها معالي وزير الدولة لشؤون الإسكان بشأن دراسة حلول إسكانية لفئة «من باع بيته» وضمان استقرار الأسر الكويتية.

وإذا تعذر ذلك في المرحلة الحالية، فإن أقل ما يمكن تقديمه هو الإبقاء على هذه الأسر في مساكنها مدة لا تقل عن 5 سنوات دون إيجار، تعويضاً عما أنفقته من أموال على الإصلاح والتجهيز، وحتى تتمكن من ترتيب أوضاعها بصورة تحفظ كرامتها.

إن الكويت التي كانت ولا تزال عنواناً للرحمة والإنسانية، قادرة على أن تجد حلاً عادلاً يحفظ هيبة القانون، ويصون كرامة المواطن، ويمنح هذه الأسر الطمأنينة التي تستحقها بعد رحلة طويلة من الانتظار والتضحية.

زر الذهاب إلى الأعلى