مراكز الرؤية… «لا طبنا ولا غدا الشر» (1 من 2)

بقلم: رئيس التحرير
بعد انتظار قارب عامًا منذ نقل تبعية مراكز الرؤية إلى إدارة التنفيذ، أملًا في معالجة أوجه القصور وضمان تنفيذ أحكام الرؤية، كان المنتظر أن يمثل هذا الانتقال بداية لإصلاح حقيقي، إلا أن الواقع كشف عن استمرار كثير من المشكلات، بل واستحداث إجراءات جديدة زادت التنفيذ تعقيدًا وإطالة.
ولعل أبرز ما استجد محاضر إثبات الحالة، التي كان يُفترض أن تكون خطوة مهمة لتوثيق عدم التنفيذ وتحديد المسؤول عنه، إلا أن المحصلة جاءت محاضر غامضة وغير حاسمة، لا تحدد المسؤولية بوضوح ولا يترتب عليها إجراء فوري ورادع، فأصبحت مجرد أوراق صماء تثبت أن الجميع حضروا إلا الحكم نفسه، وتوثق الواقعة من دون أن تعالجها أو تضمن تنفيذ الحكم لاحقًا.
ولا تزال عبارة «التهيئة النفسية للمحضون» من أكثر المبررات شيوعًا لتعطيل الحكم، رغم عدم جدواها عمليًا، فضلًا عن إسناد مهام نفسية إلى باحثات لا يتضح مدى توافر التأهيل المهني المتخصص لديهن، وهن الكوادر ذاتها التي لم تتمكن طوال السنوات الماضية من معالجة المشكلة، بل أسهمت إجراءاتها في عرقلة تنفيذ الأحكام.
والعجيب أن ينتقل عبء التهيئة بعد ذلك إلى الأب، فيُطلب منه خلال دقائق معدودة إقناع ابنه بتنفيذ الحكم، فكيف لأب لا يعيش مع الطفل ولا يراه إلا في أوقات محدودة أن يغيّر خلال دقائق موقفًا تكوّن لديه على مدار أسابيع أو أشهر في البيئة التي يعيش فيها مع الحاضنة؟ وكيف يُطلب منه أن ينجح في دقائق فيما تقول الحاضنة، التي يعيش معها الطفل طوال الوقت، إنها عجزت عن تحقيقه؟ وكأن مركز الرؤية تحول إلى غرفة اختبار للأب: أمامك ربع ساعة لإقناع طفلك، فإن فشلت أصبح عدم التنفيذ مشكلتك، بينما الأولى البحث في أسباب رفض المحضون ومصدرها، بدلًا من تحميل الأب مسؤولية معالجتها خلال دقائق.
وهنا تظهر خطورة صياغة محاضر إثبات الحالة، فهي من أهم المستندات التي قد تُعرض على محكمة الأسرة، ويُفترض أن تكون مرآة صادقة لما حدث، إلا أن بعضها يبدأ بعبارة: «تم تنفيذ حكم الرؤية بالنسبة للحاضن»، ثم يثبت أن صاحب الحق لم يتمكن من إقناع المحضون، مع إثبات تنبيه الحاضنة إلى ضرورة تهيئته.
فإذا كانت الحاضنة قد نُبّهت إلى ضرورة تهيئة المحضون، فهذا يعني أن التهيئة لم تتحقق، فكيف يُثبت أن الحكم قد نُفذ؟ إن تنفيذ الحكم لا يتحقق بمجرد حضور الحاضنة والمحضون، وإنما بتمكين صاحب الحق من الرؤية فعليًا وفقًا لما قضى به الحكم، كما أن هذه الصياغة قد تنقل إلى المحكمة صورة توحي بأن الحاضنة أدت التزامها كاملًا رغم عدم تحقق الرؤية، وهنا يصبح لدينا تنفيذ من نوع جديد: الحكم منفذ في المحضر، وغير منفذ في الواقع.
والأدق أن يثبت المحضر الحقيقة كما حدثت: «حضرت الحاضنة والمحضون، ولم يتم تنفيذ حكم الرؤية بسبب عدم تهيئة المحضون، وقد تم تنبيه الحاضنة إلى ضرورة تهيئته مستقبلًا»، من دون تصوير الحضور الشكلي باعتباره تنفيذًا للحكم، وإلا تحولت مراكز الرؤية إلى مجرد دفاتر للحضور والانصراف.
أما تكرار عبارة «تم تنبيه الحاضنة إلى ضرورة تهيئة المحضون»، فلا يمثل إجراءً رادعًا ما دام لا يترتب على تكرار عدم التنفيذ إجراء حاسم، فما جدوى التنبيه أسبوعًا بعد آخر بينما يظل الحكم معطلًا؟ إن التنبيه الذي لا تعقبه مسؤولية يصبح هو والعدم سواء، مما يحول المراكز إلى مراكز للتنبيه لا مراكز للتنفيذ، تنبيه أول ثم ثانٍ ثم ثالث، والحكم ينتظر الفرج.
وتزداد المفارقة بمنع صاحب الحق من استلام المحضر مباشرة، وإلزامه برفع دعوى قضائية لاستصدار تصريح من المحكمة باستلامه، بما يطيل أمد النزاع ويرهقه بإجراءات قضائية إضافية، والأغرب أن يجد صاحب حكم واجب النفاذ نفسه مضطرًا إلى استصدار حكم آخر وسند تنفيذي جديد، لمجرد الحصول على محضر يوثق واقعة تمت أمام مأمور التنفيذ ذاته، وكأن حكم الرؤية أصبح السند التنفيذي الوحيد الذي يحتاج صاحبه إلى حكم آخر حتى يتمكن من استكمال إجراءات تنفيذه.
والأولى أن يصدر مأمور التنفيذ المحضر في يوم الواقعة ويسلمه إلى صاحب الحق، أو يرسله إليه إلكترونيًا عبر تطبيق «سهل»، أسوة ببقية الإجراءات التنفيذية الأخرى.
فالمشكلة ليست في استحداث ورقة صماء تسمى «محضر إثبات حالة»، وإنما في ما تثبته وما يترتب عليها، فالمحضر الذي لا يحدد المسؤولية، ولا ينتج عنه إجراء حازم عند تكرار عدم التنفيذ، ثم يحتاج صاحبه إلى رفع دعوى قضائية للحصول عليه، يصبح محضرًا لا يثبت حقيقة الحالة، ولا يعالجها، ولا يستطيع صاحبها حتى استلامه.
فالأحكام لا تُنفذ بالتنبيه، وحقوق الآباء والأطفال لا تُحمى بمحاضر صماء تحفظ في الملفات، وإنما بإجراءات واضحة وحاسمة تحمّل المتسبب في تعطيل الحكم مسؤوليته، وتمنع تكرار الموقف ذاته.
ولا تعد محاضر إثبات الحالة المشكلة الوحيدة، فهناك مشكلات أخرى استمرت، وأخرى استُحدثت وزادت تنفيذ أحكام الرؤية تعقيدًا، وهو ما نتناوله في المقال المقبل: ماذا تغير فعليًا بعد نقل مراكز الرؤية إلى إدارة التنفيذ؟ أم أننا غيرنا التبعية، وبقيت منظومة الفشل على حالها؟