التربية.. جنون وفنون!

بقلم: رئيس التحرير
حين تُنقل معلمة فجأة من مدرستها إلى مدرسة بعيدة، يتغير معها يوم أسرة كاملة، فكيف توصل أطفالها إلى مدارسهم، ومن يستقبلهم عند عودتهم، وكيف توفّق بين الطريق الطويل ومسؤوليات بيتها وعملها، وحين يُنهى عقد معلم أمضى سنوات في تعليم أبنائنا، فإن أسرته تواجه معه قلق الرزق والمستقبل، فهل فكّر أصحاب هذه القرارات في حياة الناس قبل إصدارها، أم رأوا أسماءً وأرقامًا وغابت عنهم الوجوه والبيوت والأرواح..
ما أقسى أن يبدأ الإنسان عامه الدراسي، ويرتب شؤون بيته، ويتعرف إلى طلابه، ثم يفاجأ بقرار يقلب يومه وحياته، وما أصعب أن يُطلب منه تقبّل الضرر بصمت لأن القرار يحمل عنوان الإصلاح، وكأن الاعتراض على مشقة الطريق واضطراب الأسرة وعدم وضوح المعايير موقف ضد تطوير التعليم.
من حق وزارة التربية، بل من واجبها، معالجة الخلل وتحقيق العدالة في توزيع المعلمين، لكن هذا الحق يصاحبه واجب التخطيط والاستماع والإنصاف، فالقرارات تمس بشرًا، والإدارة الرشيدة تُحسن تحقيق المصلحة وتبحث عن أقل الطرق إضرارًا بمن يحملون مسؤولية تنفيذها.
قبل شهر أعلنت الوزارة وجود فائض يبلغ ٣٣٬٢٦٨ معلمًا ومعلمة من الكويتيين وغيرهم، وبدء مرحلة أولى تشمل إنهاء خدمات نحو ٧٠١٩ معلمًا ومعلمة من المتعاقد معهم، مؤكدة أن خطتها تستند إلى دراسات دقيقة وتراعي استقرار المدارس وانتظام الدراسة، ثم أعلنت في أكتوبر بدء إصدار ٨٧٠٣ قرارات نقل للمعلمين وشاغلي الوظائف الإشرافية، فأين انعكس هذا التخطيط على توقيت التنفيذ واستقرار الناس؟
وللمعلمين الوافدين حق في التقدير والمعاملة الإنسانية، فقد قضى كثير منهم سنوات في تعليم أبنائنا، واستندت أسرهم إلى أعمالهم في ترتيب معيشتها، وإن اقتضت الحاجة إنهاء خدمات بعضهم، فإن الإبلاغ المبكر والوضوح وحفظ الحقوق واحترام سنوات الخدمة واجبات ينبغي أن تصاحب القرار، فكيف نغرس الوفاء في نفوس الطلاب إذا غاب عن طريقة تعاملنا مع من علّموهم؟
أما شكاوى النقل فقد كشفت جانبًا موجعًا من المشهد، فمعلمة رياضيات تعلن نيتها الاستقالة بسبب نقلها الإجباري، ومنشور يعرض حالة معلمة عنوانها المسجل في المطلاع نُقلت من جليب الشيوخ إلى صباح السالم، وآخرون يتساءلون عن نقل متبادل بين مناطق متباعدة وعن جدواه، وهذه شهادات تستوجب الفحص والرد والتصحيح، فخلف الكلمات الغاضبة قد تكون أسرة حائرة وإنسان يشعر بأن أحدًا لم يسمعه.
وتقول الوزارة إن متوسط مسافة النقل بلغ ١١٫٢ كيلومترًا، لكن هل يكفي المتوسط لفهم معاناة كل حالة، وهل قيس الطريق من المنزل إلى المدرسة الجديدة، أم من مدرسة إلى أخرى، وأين زمن الزحام وترتيبات الأبناء والظروف الصحية، فقد تختصر شاشة الحاسوب رحلة في رقم، بينما يدفع صاحبها ثمنها كل صباح من وقته وراحته وقدرته على العطاء.
والطالب حاضر في قلب هذه الأزمة، فهو الذي بدأ يألف معلمه ويطمئن إلى طريقته، والمعلم بدأ يعرف مواطن ضعفه وقدراته، وتغيير هذه العلاقة يحتاج إلى تقدير تربوي، فاستقرار التعليم يتجاوز اكتمال الأعداد في الجداول، ولا يمكن فصل مصلحة الطالب عن ظروف من يقف أمامه ويشرح له ويصبر عليه.
وأين الحوكمة في كل ذلك، والحوكمة ببساطة هي قواعد واضحة لاتخاذ القرار وتنفيذه ومراجعته، تحدد المسؤوليات، وتضمن شفافية المعايير وعدالة التطبيق وسماع أصحاب العلاقة والرقابة والمساءلة، وتعني أن نعرف من قدّر الاحتياج، وعلى أي بيانات، ومن اختار المنقولين، وكيف قُدّرت الأضرار، وإلى من يلجأ المتضرر، ومن يصحح الخطأ إذا وقع.
وحين تعلن الوزارة فائضًا بهذا الحجم، فإن الحوكمة تستدعي مساءلة من سمح بتراكمه، ومراجعة سياسات التعيين والتوزيع والأنصبة، ونشر تفسير واضح لما جرى، حتى لا يصبح المعلم الحلقة التي تتحمل وحدها نتائج أخطاء لم تصنعها، وتبقى الجهات المسؤولة عن التخطيط بعيدة عن السؤال.
وأشد ما يستفز في هذه القرارات توقيتها، فالعام الدراسي معروف الموعد، والعطلة الصيفية كانت فرصة للدراسة والتنسيق والإبلاغ والتظلم، فلماذا يُعاد ترتيب حياة آلاف الأسر بعدما بدأت الدراسة، وما الضرورة التي منعت إنجاز ذلك مبكرًا، وكيف يُطلب من المعلم أن يخطط لكل حصة بينما يفاجأ هو بتغيير مقر عمله بعد انطلاق العام؟
ولمعالجة هذه الأزمة، أدعو إلى إعادة المعلمين والمعلمات المتضررين إلى مدارسهم السابقة، والاستفادة مؤقتًا من جانب التعليم الهجين الذي طرحناه في «نموذج الغانم للتعليم المرن»، بتنظيم الدراسة بين الحضور والتعليم عن بُعد، وتوزيع أيامهما على المراحل التعليمية، حتى تتوافر الكوادر اللازمة في المدارس التي تعاني نقصًا، فنخفف معاناة الناس ونضمن استمرار تعليم أبنائنا.
وقد طرحت في «نموذج الغانم للتعليم المرن» توزيع أيام الدراسة الحضورية والتعليم عن بُعد بين المراحل التعليمية، ويمكن تطبيق ذلك مثلًا بتخصيص يومي الأحد والخميس للتعليم عن بُعد في المرحلة الثانوية، فلا يحضر معلموها وطلابها إلى المدارس، بل يقدم المعلمون حصصهم ويتابعها الطلاب من منازلهم عبر المنصات التعليمية، ويُخصص يومَا الاثنين والأربعاء للمرحلة المتوسطة، ويومَا الثلاثاء والأربعاء للمرحلة الابتدائية بالطريقة نفسها، وتكون الدراسة حضورية في بقية أيام الأسبوع، وفق جداول واضحة للحصص والحضور والتفاعل والتقييم، مع مراعاة حاجة الأطفال الأصغر سنًا إلى المساندة.
وبهذا التوزيع، تنخفض أعداد المعلمين والطلاب المتجهين إلى المدارس في اليوم نفسه، فتخف حركة السيارات والحافلات والازدحام أمام المدارس وعلى الطرق، ويقل استهلاك الوقود ووقت التنقل والانبعاثات، كما يتيح تقليل تشغيل المباني في أيام التعليم عن بُعد خفض استهلاك كهرباء التكييف والإنارة والمياه، وتخفيف استهلاك المرافق والأثاث وأعباء النظافة والصيانة، بشرط تنظيم التشغيل وإغلاق الأجزاء غير المستخدمة فعليًا، فتتحقق وفورات يمكن توجيهها إلى تحسين التعليم ودعم المعلمين وتوفير الأجهزة والاتصال للطلاب، مع متابعة أثر هذا التنظيم في تعلّمهم وظروف أسرهم.
والتطبيق الذي أقترحه لهذه الفكرة في المشكلة الحالية واضح، تُحصر الحصص التي لا يتوافر لها معلم في كل مدرسة، ثم يُكلف بتدريس ما يصلح منها عن بُعد معلم مؤهل من المدرسة التي لديها فائض في التخصص نفسه، ضمن نصابه وبجدول لا يتعارض مع حصصه الأصلية، فيلتقي بطلاب المدرسة المحتاجة إلكترونيًا خلال أيام تعلمهم عن بُعد، ويشرح ويتفاعل ويتابع الواجبات ويقيّم الفهم، دون نقله الدائم أو إلزامه بقطع المسافات إلى مقر بعيد.
فإذا احتاج صف في مدرسة ثانوية إلى حصص في مادة معينة، وأمكن تغطيتها ضمن نصاب معلم في مدرسة أخرى، تُجدول الحصص المناسبة للتعليم الإلكتروني في أيام الدراسة عن بُعد، وتُرتب الأنشطة والتطبيقات التي تستلزم الحضور في أيامها المخصصة، مع توفير المنصة والأجهزة والاتصال والدعم الفني ومتابعة انتظام الطلاب، وهذا توزيع للعمل التعليمي يحفظ حق الطالب في التعلم ويتيح الاستفادة من المعلم دون اقتلاع استقراره.
ويظل هذا الترتيب حلًا انتقاليًا محدد المدة، تُراجع جودته ونتائجه إلى حين توفير المعلمين في مواقع النقص، وتُراعى فيه احتياجات الأطفال الأصغر سنًا والأسر التي تحتاج إلى دعم، فالمرونة التي أدعو إليها تعني أن تتكيف الإدارة مع حاجات التعليم وظروف الناس، وأن تستخدم التقنية لتخفيف المعاناة وتحسين الاستفادة من الكفاءات.
ويصاحب ذلك فتح تظلمات سريعة وشفافة، ومراجعة كل حالة وفق ظروفها، وتقديم البدائل الأقرب والنقل الاختياري حيث يحققان الاحتياج، وإعلان موعد مبكر لحركات النقل المقبلة، وحصر النقل أثناء الدراسة في الضرورات المبررة، مع تقييم كفاءة الإنفاق في ضوء جودة التعلم واستقرار المدرسة وقدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات، حتى لا نحقق وفرًا في بند ونخلق خسائر في بنود أخرى.
يا معالي الوزير، استمعوا إلى من أثقل القرار يومه وأربك بيته، وإلى من يفكر في ترك مهنة أحبها لأنه لم يجد من ينظر في ظروفه، فالمراجعة تعيد الثقة، والإنصاف يحفظ الكفاءات، والتراجع عن الخطأ شجاعة، أما أن تستقر الأرقام في الكشوف وتضطرب حياة الناس، فذلك هو «جنون التربية» الذي نخشى أن يدفع ثمنه المعلم والطالب والأسرة معًا.
ارفقوا بالمعلم، وأعينوه على رسالته، واجعلوا راحته وكرامته واستقراره في مقدمة أولوياتكم، ففي كل صباح نُسلّمه أغلى ما نملك، أبناءنا بما فيهم من أحلام صغيرة تنتظر من يرعاها، وعقول تتفتح على يديه، ونفوس تتأثر بكلماته ومواقفه، فكيف نرجو منه أن يزرع الطمأنينة في قلوبهم وقلبه مثقل بالقلق، وأن يفتح لهم أبواب الأمل وهو يخشى على استقرار بيته وأسرته، إن وقوفنا مع المعلم وفاء لرسالته ومسؤولية تجاه وطننا، فمن بين يديه ستخرج الأجيال التي تبني الكويت وتحمل أمانتها، فلنمنحه من الرعاية والتقدير ما يعينه على صناعة المستقبل الذي نتمناه لأبنائنا وبلدنا.