انقلوا الحصة، لا تنقلوا البيت! (التربية.. جنون وفنون! «الجزء الثاني»)

بقلم: رئيس التحرير
بقي أن يُطلب من المعلم أن يضع منزله على عجلات، حتى إذا صدر قرار نقله إلى مدرسة جديدة، شغّل البيت وانطلق، وبذلك نكون قد حللنا مشكلة توزيع المعلمين، وأدخلنا الإسكان في خدمة التعليم!
فمن الحلول العجيبة التي طُرحت لتبرير النقل أن يؤجر المعلم الكويتي منزله، ويستأجر منزلًا قريبًا من مدرسته الجديدة، هكذا ببساطة، وكأننا نتحدث عن تبديل موقف سيارة، لا عن بيت عمر وأسرة وأبناء ومدارس والتزامات، ولم يبقَ إلا أن يُضاف إلى قرار النقل أرقام شركات نقل الأثاث، وتمنياتنا للمعلم برحلة سعيدة!
ولنحسبها «حسبة بدو»، لو أجّر بيته في صباح الأحمد بست مئة دينار، واستأجر بيتًا في منطقة داخلية بألف وخمس مئة، فسيدفع تسع مئة دينار إضافية كل شهر، أي عشرة آلاف وثمانمائة دينار في السنة، وهذه التسع مئة تلتهم ثلاثة أرباع راتب من يتقاضى ألفًا ومئتي دينار، وتترك له ثلاث مئة دينار يتدبر بها الطعام والكهرباء والسيارة والأقساط ومصروف الأبناء، ومنها «يحط له جم دينار للادخار، ويدخل بجزء في التجارة، ويشتري له سبيكة ذهب حق الأزمات، وإذا بقى شيء ياخذ العيال سويسرا، يستاهلون، توهم ناقلين بيت! ليش مستغربين؟ ثلاث مئة دينار بحالها، مو ثلاثين! وإذا ما كفّته فهذه مشكلته، خل يتعلم يدبّر عمره، يكفي إن الوزارة سمحت له يستأجر يم المدرسة اللي نقلته لها، مو معقولة بعد تعلّمه شلون يصير مليونير! ويُفضّل أن يحتفظ منها بشيء للطوارئ، فقد يصدر قرار نقل جديد!
هذا قبل حساب الانتقال نفسه، فلو بلغت كلفة الفك والنقل والتركيب خمس مئة دينار، فمن يدفعها، ومن يعوض الأثاث الذي يتلف، والخزائن التي فُصّلت على جدران البيت، والستائر التي لن تتمدد بأمر إداري لتناسب نوافذ البيت الجديد؟ يبدو أن الأسرة مطالبة بأن تموّل إصلاح التعليم من راتبها وأثاثها، وتبتسم أيضًا، وترفع شعار: اضحكْ تضحكْ الحكومة معك، وابكِ تبكِ وحدك!
ثم أين هذا المنزل الذي ينتظره بالمفتاح عند باب المدرسة؟ فقد يبحث أسابيع أو أشهر دون أن يجد ما يناسب أسرته وميزانيته، وماذا يفعل بأبنائه خلال ذلك، هل ينقل مدارسهم أيضًا، وهل يجد لهم أماكن، وماذا عن عمل زوجته، وإذا نُقل العام المقبل إلى منطقة أخرى، هل يبدأ الجولة من جديد، أم يحتفظ بالأثاث داخل الشاحنة اختصارًا للوقت؟
طيب، إذا كان المطلوب من المعلم أن يتحمّل النقل بروح رياضية، أعطوه خمس مئة دينار شهريًا «بدل نقل»، كل طرف يقدّم تضحية، مو واحد يفتح محفظته والثاني يفتح له الخريطة! وأتوقع أن يتغيّر السؤال في مجموعات المعلمين من «منو يبادلني؟» إلى «البدل ينزل من تاريخ القرار ولا من يوم المباشرة؟»، أما إذا قيل إن الميزانية لا تسمح، فعجيب، ميزانية الوزارة ما تسمح، وراتب المعلم يسمح ببيتين ونقلة عفش!
ولا تستقيم المقارنة بين رب أسرة استقر في بيت عمره وبين شخص كانت ظروف سكنه تسمح بالانتقال قرب عمله، فالقدرة على تغيير السكن ليست امتيازًا مضمونًا لكل وافد، ولا خيارًا متاحًا لكل مواطن، ولكل أسرة حساباتها، فلا نأخذ تجربة شخص ونحوّلها إلى تعليمات لآلاف الأسر، ومن استطاع الانتقال في ظرف معين لا يصبح دليلًا على أن بقية الناس يستطيعون حزم حياتهم في نهاية الأسبوع!
وللمعلم أبناء أيضًا، يحتاجون إلى من يوصلهم صباحًا ويعيدهم بعد الدوام، وبعض الأسر رتبت يومها بالدقيقة بين عمل الأب والأم ومدارس الأطفال، ثم يأتي القرار فيغيّر الطريق كله، ويأتي من يطمئنهم بأن المسألة بضعة كيلومترات، نعم، بضعة كيلومترات على الخريطة، لكن الخريطة لا توصل طفلًا، ولا تنتظر انتهاء دوامه، ولا تقف في الزحام!
ويقال للمعلمين قفوا مع الحكومة لسد النقص، ونحن نريد أن تنجح الحكومة، ولهذا نسأل ونقترح وننبه إلى الضرر، فالمعلم الذي يقول إن القرار أربك أسرته يقدم معلومة يحتاج إليها صاحب القرار، ومن يطالب بمعايير واضحة ووقت كافٍ وتظلم جاد يساعد على إنجاح الإصلاح، فهل المطلوب أن يشرح ظروفه، أم أن يصفق بيد ويحمل عفشه بالأخرى؟
أما القول إن في المدرسة عدة معلمات للمادة نفسها، فهل نعدّ المعلمات وننسى الصفوف والحصص والأنصبة؟ وإذا ثبت وجود فائض، فليُعالج وفق احتياج كل مدرسة، لكن من تركه يتراكم؟! وأين كانت متابعة التوزيع طوال السنوات الماضية؟! ولماذا تصل فاتورة التصحيح إلى المعلم بعدما رتّب عامه واستقر أبناؤه في مدارسهم؟! فالعام الدراسي له موعد معروف، ولم يصل إلى الوزارة فجأة مع مندوب توصيل، فلماذا يدفع فاتورة هذا الخلل قرابة تسعة آلاف من المعلمين والإشرافيين وأسرهم؟!
ولماذا لا يُفتح باب التبادل الطوعي المنظم، معلم يرغب في مدرسة أقرب إلى بيته، وآخر يرغب في الانتقال بالاتجاه المقابل، يتوافقان وتتحقق الوزارة من التخصص والمرحلة والأنصبة ثم تعتمد التبادل، أليست هذه بداية تستحق التجربة قبل النقل الإجباري؟ أعطوهم فرصة لترتيب رغباتهم، فقد يجد اثنان حلًا يريحهما ويحقق احتياج المدرستين، دون أن تدخل شاحنة أثاث في الموضوع.
ويمكن للوزارة إنشاء نافذة إلكترونية تجمع طلبات التبادل وتقترح المطابقات، فتساعد المعلمين على إيجاد البديل المناسب، مع بقاء مسؤولية سد النقص عليها، فلا يتحول الحل إلى «دبّر بديلك وإلا دبرنا لك منطقة أخرى»! ويُفتح هذا الباب في وقت مبكر، ليعرف كل معلم موقعه قبل أن يرتب مدارس أبنائه والتزاماته، فالتقنية التي تستطيع تسجيل آلاف الطلبات يمكن أن تساعد في ترتيبها، بدل أن ينشغل كل معلم بالبحث في المجموعات: منو يبادلني؟
وقد طرحت في الجزء الأول من هذا المقال «التربية.. جنون وفنون!» حلًا يستحق الدراسة، مستندًا إلى «نموذج الغانم للتعليم المرن»، وهو الاستفادة من التعليم عن بُعد لتغطية ما يناسبه من حصص، وربط المدارس التي لديها فائض بالمدارس التي تعاني نقصًا، فدعونا نجرب أن تسافر الحصة عبر الشبكة قبل أن تسافر الأسرة عبر مكاتب العقار.
والفكرة سهلة، مدرسة تحتاج إلى حصص رياضيات، ومدرسة أخرى لديها معلم رياضيات يستطيع تقديم هذه الحصص ضمن نصابه، بدل أن نبدأ بالسؤال عن المكان الذي سننقل إليه المعلم، نبدأ بالسؤال عن الحصص التي يحتاج إليها الطلبة، وموعدها، وإمكان تقديمها إلكترونيًا، ثم نضع جدولًا مشتركًا، فيشرح المعلم لطلاب المدرسة المحتاجة، ويسمع أسئلتهم، ويتابع واجباتهم، ويتحقق من فهمهم، وهو باقٍ في مركز عمله.
وهنا لا نجمع فصولًا بلا حساب أمام شاشة واحدة، ولا نضيف إلى المعلم عملًا فوق نصابه، بل نحدد عدد الطلبة والحصص والمسؤوليات، ونتأكد من أن جدوله لا يتعارض مع حصصه الأصلية، فالمنصة تنقل الصوت والصورة، لكنها لا تمنح المعلم وقتًا إضافيًا ولا قدرة خارقة على متابعة الجميع، ولا نريد أن نكتشف بعد أسبوع أن المعلم صار يدرّس ثلاث مدارس في الوقت نفسه، ثم نقول له: شد حيلك، هذا تعليم مرن!
ويمكن تنظيم التطبيق بطريقتين بحسب حاجة المدرسة وأعمار الطلبة، إما أن يتلقى الطلاب الحصة من منازلهم في يوم مقرر للتعليم عن بُعد، وإما أن يكونوا في فصل مجهز داخل مدرستهم، ويتواصل معهم المعلم إلكترونيًا، مع وجود إشراف مدرسي فعلي ومحدد المسؤولية، فلا نحل نقص معلم بأن نترك فصلًا كاملًا بلا متابعة، ولا نكتفي بتشغيل الشاشة ثم نتمنى للطلبة فهمًا سعيدًا!
أما توزيع أيام التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد، فقد طرحت في «نموذج الغانم للتعليم المرن» تنظيمها بالتناوب بين المراحل، فيكون التعليم عن بُعد للمرحلة الثانوية يومي الأحد والخميس، وللمرحلة المتوسطة يومي الاثنين والأربعاء، وللمرحلة الابتدائية يومي الثلاثاء والأربعاء، ويكون حضور كل مرحلة إلى المدرسة في بقية أيام الأسبوع، وفق جدول معلن تعرفه الأسر والمعلمون مسبقًا، ويتيح للوزارة تنسيق الحصص والاستفادة من المعلمين بين المدارس ضمن أنصبتهم.
وتبقى المختبرات والتجارب والأنشطة التي تتطلب الحضور في أيامها المناسبة، وتُختار للتعليم عن بُعد الحصص التي يمكن تقديمها ومتابعتها بجودة، مع توفير الأجهزة والاتصال والدعم الفني لمن يحتاج إليها، فالدرس لا يصل إلى الطالب بمجرد إعلان الوزارة أنه إلكتروني، ولا يجوز أن يصبح ضعف الإنترنت في بيته سببًا لمعاقبته على الغياب، الطالب حاضر، اللي غايب الشبكة!
وحتى لا تبقى الفكرة جميلة على الورق، نبدأ بعدد محدود من المدارس والتخصصات لمدة ستة أسابيع مثلًا، نحدد فيها المسؤول عن الجدول والمنصة والمتابعة، ونقيس الحضور والفهم والواجبات، ونسأل المعلمين والطلاب والأسر عن الصعوبات، ثم نوسع ما نجح ونصحح ما تعثر، تجربة صغيرة ببيانات واضحة تستطيع أن تجيب عن أسئلة لا تجيب عنها عشر خطب عن التطوير.
والفائدة المحتملة تتجاوز تقليل التنقل، فقد تساعد هذه الطريقة على تغطية حصص شاغرة بسرعة، والاستفادة من الكفاءات بين المدارس، وتقليل بعض رحلات الذهاب والعودة في أيام التعلم المنزلي، لكن معيار نجاحها يبقى تعلم الطالب، فإذا انخفضت جودة التعليم وجب تعديلها، فالهدف أن نخفف المعاناة ونحسن الخدمة معًا، وأن تصل المعرفة إلى الطالب فعلًا، لا أن نكتفي بوصول رابط الحصة إلى هاتفه.
وفي الوقت نفسه تُراجع حالات النقل المتضررة، وتُدرس البدائل الأقرب والنقل الاختياري والتدرج في التنفيذ، وتُعلن معايير الحركات المقبلة قبل بداية العام بوقت كافٍ، هذه هي الحوكمة بلغة الناس، أن أعرف من وراء القرار، ولماذا نُقلت، ومتى، وما البدائل التي دُرست، ومن يسمع تظلمي، ومن يصحح الخطأ إذا ثبت، وأن تصلني الإجابة قبل أن يصلني مندوب نقل الأثاث!
يا وزارة التربية، لديكم معلمون ومنصات وبيانات وخبرات تستحق أن تعمل معًا، فابدؤوا بالتبادل الطوعي والبدائل الأقرب، وضعوا التعليم المرن على طاولة الدراسة وجربوه حيث يصلح، وراجعوا الحالات المتضررة قبل أن تطلبوا من الأسرة إعادة ترتيب حياتها كلها، واجعلوا استقرارها جزءًا من حسابات القرار، فالمعلم يستطيع أن يفتح حصة إلكترونية بضغطة زر، أما نقل بيته وأبنائه وأثاثه، فلم تُضَف خدمته بعد إلى تطبيق «سهل»!
لقراءة كتاب “نموذج الغانم للتعليم المرن” اضغط على الصورة
