حماية الأسرة قبل فوات الأوان

بقلم: رئيس التحرير
تشهد الكويت مؤخراً ظهور أصوات تتبنى خطاباً يدَّعي حماية المرأة والطفل تحت مسميات: (تمكين المرأة)، (الفكر المعاصر)، و(البروتوكولات الدولية)، (العنف الأسري)… وخلافه، بينما الحقيقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الأفكار ليست إلا استيراداً مباشراً لنماذج غربية أثبتت فشلها في أوطانها، فكيف لنا أن نقبل مشروعاً اجتماعياً لم ينجح في بيئته الأصلية؟ وكيف يتم تسليم منظومة الأسرة الكويتية التي هي أساس المجتمع لمفاهيم لم ينتج عنها سوى التفكك والانهيار والضياع في مجتمعات أخرى؟
ولكن الأمر يزداد خطورة حين تلجأ بعض الجمعيات النسائية إلى الاستقواء بالمنظمات الأوروبية ومنظمات المجتمع المدني الغربي، بل والاستعانة بسفراء دول غربية تعاني مجتمعاتها اليوم ويلات التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي، ومنحهم منابر رسمية بدعوات من بعض المؤسسات المحلية لإضفاء هالة من الشرعية على تجارب ثبت فشلها الذريع، بل وصل الأمر بهذه الجمعيات إلى تصوير هذه التجارب على أنها نماذج ناجحة يجب الاحتذاء بها في إيحاء للرأي العام بأن تبني تلك التجارب سيؤدي إلى ارتقاء الدولة ورفع تصنيفها في مجالات الحريات وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، في حين أن الواقع يشير بوضوح إلى العكس والفشل الذريع الذي تعانيه الدول التي تتبنى تلك التجارب.
الأمر الذي معه تكون محاولة تسويق هذه التجارب الفاشلة في الغرب ونقلها إلى مجتمعنا الكويتي لا تمثل إصلاحاً ولا تطوراً، ولكنها بمثابة نحر مباشر لبنية مجتمعنا وسلخ هويته الدينية والأخلاقية، لا سيما وأن عادات هذه المجتمعات الغربية لم تجلب الخير حتى لأصحابها بل أنتجت مجتمعات مفككة ومضطربة، والأخطر من ذلك هو التعاطي مع هذه المنظمات الدولية والجمعيات الأجنبية وكأنها وصي على الدولة ومقيّم لأدائها وسيادتها في تجاوز مرفوض لخصوصية المجتمع الكويتي واستقلال قراره التشريعي والاجتماعي.
فلا يخفى على أحد ما يعانيه المجتمع الأوروبي من نتائج سياسات بُنيت على شعارات لامعة، مثل تمكين المرأة وحرية الطفل. لكن الواقع يكشف انخفاض معدلات الزواج والإنجاب، وغياب الاستقرار الأسري، وتحول المجتمعات الأوروبية إلى مجتمعات هرمة تحتاج إلى مهاجرين لتعويض العجز السكاني، فيما تتزايد النزاعات الأسرية بدلاً من تحقيق المساواة المزعومة.
ومما يعضد هذا التصور المخيف الذي تم نقله للأسف إلى مجتمعنا، ما تشهده القارة الأوروبية بحسب آخر الأرقام إذ وصلت معدلات النمو السكاني إلى أدنى مستوياتها. فالقوانين الأسرية المستحدثة رفعت كلفة الطلاق مادياً وقانونياً، الأمر الذي حدا بالكثير من الرجال إلى الإحجام عن الزواج خشية تبعات الطلاق، وهو ما انعكس على تراجع الإنجاب وتفكك البنية الأسرية.
فهل هذه هي الصورة التي يتم تصديرها للكويت تحت شعار (التطور)؟
من المؤسف أن بعض الجمعيات النسائية المحلية بدأت تتبنى هذه الأطروحات وتعرضها على الجهات الرسمية باستخدام خطاب عاطفي يركز على “حقوق المرأة والطفل”، بينما الواقع كثيراً ما يتجاهل الرجل والأسرة ككيان متكامل، بل ويساهم في خلق صراع داخل المجتمع لأبنائه.
بيد أن تصوير الرجل على أنه متهم دائماً، والمرأة على أنها مقهورة بكل الأحوال ليس تمكيناً، بل يمكن وصفه بأنه تفكك متعمد للأدوار الأسرية وتحويل المنزل من مؤسسة تعاون وتكامل إلى ساحة صراع ضحيتها الأولى والأخيرة الطفل، ومن ثم المجتمع ككل.
فمفهوم حماية المرأة والطفل أمر مقبول، ولكن لا بد وأن يكون وفق قيمنا وليس وفق قوالب مستوردة أثبتت فشلها في مجتمعاتها، فالكويت ليست أوروبا، الكويت لديها منظومة دينية وأخلاقية واجتماعية متينة لا يجوز تفريغها من محتواها، نعم نريد حقوقاً للمرأة وليس تحرراً مخالفاً للشرع والقانون، نعم نريد سلامة الطفل لكن وفق مبادئ الشريعة وثوابت المجتمع وليس عقوقاً وانفلاتاً، أو وفق أجندات مستنسخة من الغرب تنزعنا عن هويتنا وقيمنا وأخلاقنا.
كما أن قانون العنف الأسري بصيغته وتطبيقه الحاليين يكشف عن إخفاقه في حماية تماسك الأسرة، خصوصاً عندما يُساء فهم معنى العنف، فيتم الخلط بين الاعتداء الحقيقي وبين التوبيخ أو التوجيه والحزم التربوي، مما يغل يد الوالدين من تربية أبنائهما وتقويم سلوكهم لخشيتهما من أن تتحول كلمة عتاب أو موقف حازم إلى شكوى تتهمهما بالعنف، ويترتب على ذلك إضعاف مكانة الوالدين في نفوس أبنائهما وتغذية الجفاء والعقوق، كما يزيد تحويل الخلافات الزوجية العادية إلى بلاغات واتهامات أغلبها كيدية، مما يساهم في انتشار الطلاق على نطاق أوسع، فتكون النتيجة مزيداً من التفكك الأسري الذي يفترض أن يسهم القانون في الحد منه.
ومن هنا، يعاب على هذه الجمعيات النسائية وبعض كوادر المحامين محاولتها فرض هذه الأفكار الهدامة على مجتمعنا بمحاربتها لمسودة تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي يهدف إلى تعزيز استقرار الأسرة وحماية حقوق المرأة دون إلغاء دور الرجل، وتنظيم الرؤية والحضانة بما يحفظ الطفل وسلامته النفسية من الصراعات ولضمان العدالة بين الطرفين، ولحفظ مقاصد الزواج كرباط ديني ومسؤولية تربوية وليس علاقة مؤقتة يمكن قطعها عند أول خلاف خاصة من قبل الزوجة التي تستحوذ على العديد من المزايا جراء الطلاق وفق القانون الحالي.
وبناءً عليه، فإن مسودة القانون بحاجة إلى دعم من الجميع كي تظهر إلى النور لما لها من دور فعال في إصلاح الواقع وخلق نموذج متوازن يحفظ حقوق الجميع.
وعليه فإننا نقولها وبكل صراحة إن نقل الفكر الغربي كما هو إلى الكويت تحت عنوان التمكين ليس تقدماً، بل هو انتحار اجتماعي بطيء للمجتمع، فالتمكين الحقيقي ليس في نسخ تجارب الآخرين وبخاصة المجتمعات التي ثبت فشلها وانحلالها مجتمعياً وأخلاقياً، التمكين الحقيقي يتمثل في بناء نموذجنا الخاص من واقع قيمنا الإسلامية وتراثنا الكويتي المشرف، نموذج يحفظ الأسرة ويكرم المرأة ويحمي الطفل ويجعل المجتمع قوياً متماسكاً.
