مقالات وكتاب

حتى لا نكون أداة حرب للآخرين

د.عصام عبداللطيف الفليج

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجد المتخاصمون أنفسهم في خسارة بشرية ومالية ومادية كبرى، تكونت من عشرات الملايين من القتلى، ومثلهم من الأرامل والأيتام، ومئات الملايين من الجرحى والمعاقين، ومليارات الدولارات من الدمار العمراني والبنية التحتية، فضلا عن مليارات أخرى ذهبت لتجار الأسلحة!
إذا الكاسب الوحيد هم “تجار الأسلحة”، والخاسر والوحيد هو “الإنسان”.
هنا.. توقفت الحكومات عن التفكير في أي حرب أخرى، واتجهت نحو الاستقرار والإعمار، وإعادة بناء الإنسان من جديد.
كما أعادت الدول الكبرى صياغة قيم العالم الجديد.. عالم القوة والسطوة، فإما أن تكون معي، أو ضدي، مستخدمة سلاحين؛ سلاح الفيتو، وسلاح الدمار الشامل، تحت مظلة الأمم المتحدة.
خلال تلك الفترة سقطت الخلافة الإسلامية، واغتصبت فلسطين، وأعيد تخطيط حدود الدول العربية بالمسطرة والقلم (لاحظ خطوط مستقيمة لا تتوفر إلا في دول العرب)، وتم تقسيم دول العالم الخارجة من الاحتلال (الاستعمار مجازا) في آسيا وأفريقيا، ووضعوا بينها شوائك وشوائب، فقسموا الهند الكبرى – على سبيل المثال – إلى الهند وباكستان وبنغلاديش ونيبال، ووضعوا كشمير بين الرحى، ومثلها كثير.
وبعد حروب عدة، رأت الدول الكبرى تغيير أسلوب احتلال الدول، من الأسلوب العسكري المباشر إلى أسلوب غير مباشر، أو ما يسمى “الحرب بالوكالة” مستخدمة وسائل الإعلام التي تمتلكها على مستوى العالم، وتعاون رموز الثقافة والفكر باسم التنوير والتحرير، واستغفال الشباب باسم الجهاد، وتم كل ذلك باختراق مباشر وغير مباشر، وبتعاون الأنظمة والعسكر، وتسخير كافة مؤسسات تلك الدول لصالح المشروع الدولي الجديد، الذي يسيطر عليه سادة المال في العالم، و”تجار السلاح”.
شجعوا القومية العربية، والكردية، والأمازيغية، والأفريقي (الزنجية)، وشحنوا القبلية في كل أفريقيا، وفي بلاد العرب، واستخدموا المرأة غطاء لمآربهم السياسية، ونشروا ثقافة الطعام واللبس التي يريدونها، وأضاعوا الهوية الإسلامية والشرقية.
تلاعبوا بالعملة تارة، والبورصة تارة أخرى، وتحكموا بأسعار الذهب والنفط، وسيطروا على الصناعات الرئيسة في العالم، وأموال تدخل وتخرج، وشحن مخدرات بالمجان مع تسهيلات الدفع، وغسيل أموال، وانهيار اقتصادي مفتعل في 2008م، ومثله قادم هذا العام او التالي.
ووصل تلاعبهم في دول العالم بتوجيه الطقس.. الحرب الجديدة القادمة، بافتعال الأعاصير والفيضانات والأمطار الغزيرة وحرق المحاصيل برفع حرارة الطقس.. وغير ذلك، وهذه تجاوزت “حرب النجوم” التي كانوا يخططون لها سابقا.
المشكلة الكبرى في ذلك أن الشعوب (وبالأخص المسلمين السنة) أصبحوا أداة لتنفيذ ذلك كله بالوكالة، فلا داعي لدخول قوات عسكرية ضد روسيا، فالمجاهدين الأفغان كفوهم ذلك بدعم لوجستي، حتى تفكك الاتحاد السوفييتي! ودمر العراق إيران لثماني سنوات، ثم احتل الكويت سبعة أشهر.. بالوكالة!
ولا داعي لتصفية السنة في العراق، فإيران وحشد كفتهم ذلك، ولا داعي للدخول لتفكيك الجيش الحر في سورية، أو لتهجير السنة من الشام، فداعش كفتهم ذلك، ولا داعي للدخول لتقسيم السودان، فالجنوبيون كفوهم ذلك، ويتم تنفيذ تفجيرات مفتعلة هنا وهناك، وتتبناها القاعدة بمبادرة منها.
وحتى ثورات الربيع العربي تم اختراقها، والنتيجة ما ترى لا ما تسمع.
ويخرج علينا أبطال داعش أصحاب الوشوم واللحى الشقراء بانتصارات وهمية يخدعون بها الشباب المغرر به، لينتقلوا من مدينة إلى أخرى تحت حماية طائرات التحالف، وحزب الله، والمالكي، وإيران، والعلويين، والبعثيين.. وحكومات بعض الدول!
وتبعث إيران بخلاياها العسكرية والتجسسية في اليمن والعراق والشام ودول الخليج العربية، ودول آسيا الوسطى، ووسط أفريقيا، وجنوب شرق آسيا، نيابة عن الدول الكبرى، التي أتت بهم عوضا عن الشاه!
وإذا تحاور اثنان من بلد واحد، في قضية ما خارج بلدهما، كادا أن يتقاتلا لاختلافهما في الرأي، لقضية ليست قضيتهما! مثل شبابنا الذين يتقاتلوا لأجل أندية أوربية بعيدة عنا.
وأصبح اليمني يقتل اليمني، والسوري يقتل السوري، والعراقي يقتل العراقي، والليبي يقتل الليبي، والصومالي يقتل الصومالي، والصيني يقتل الآيغوري، والبورمي يقتل الروهينغا.. إلى آخر القائمة المعروفة، فلم التدخل الخارجي، وقد أصبح الجميع أدوات لدى الكبار؟!
وبسبب المال السياسي، تحولت الأفكار، وأصبح المشايخ فجار، وأضحى المفكرون ثوار، وأمسى العقلاء ضحايا دمار.
وتم اختراق الشعوب قاطبة، آسيوية وأفريقية وأمريكية جنوبية، لذا.. لا ينجح أي تغيير دون الرجوع للكبار.
ولا يعني هذا الاختراق أن الجميع عملاء، بل هناك اختراق مباشر من خلال السلطة، وهناك اختراق غير مباشر من خلال الدولة العميقة، فهم يتحكمون في مفاصل الدول، وبكلا الحالتين أصبح المواطن في بلده (حاكم ومحكوم) هو أداة الحرب التي يديرها الآخرون، فهل نعي ما نحن فيه من انحراف قد يودي بديننا وقيمنا ووطننا ووجودنا؟!!
أسأل الله أن يحفظنا جميعا من كل سوء، وأن يصلح بال المسلمين، ويأمنهم في ديارهم.

زر الذهاب إلى الأعلى