ناهس العنزي: المبالغة بالرسوم.. إهدار لحق التقاضي

أكد المستشار القانوني المحامي ناهس العنزي أن الحق في التقاضي حق دستوري نصت عليه المادة 166 من الدستور والتي جاء فيها:
حق التقاضي مكفول للناس، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق.
وأوضح في دراسة أعدها عنونها بـ المبالغة في الرسوم القضائية والخبراء وآثارها على العدالة والمتقاضين أن الحق في اللجوء إلى القضاء هو أحد الحقوق العامة الدستورية، ويعد من ركائز العدالة وضمانات دولة القانون، ولا يجوز تقييده أو تعطيله بوسائل مباشرة أو غير مباشرة ومنها الرسوم الباهظة.
وقال: الرسوم القضائية ليست غاية، بل وسيلة تنظيمية تهدف إلى تحمل جزء من أعباء المرفق القضائي ويجب ألا تشكل الرسوم عبئًا يمنع أو يرهق الفرد من ممارسة حقه الأصيل في المطالبة القضائية المغالاة في تقدير هذه الرسوم يُعد إهدارًا للحق في التقاضي، خصوصا متى تعلق الأمر بحقوق أساسية أو دعاوى ضرورية كالأحوال الشخصية مثلا الرسوم القضائية.
وأضاف: الهدف منها كذلك تغطية جزء من نفقات التقاضي، دون أن تشكل عائقاً أو شرطاً للجوء إلى القضاء، فالمبالغة في الرسوم تعد اخلالا بمبدأ المساواة، لأنها ترهق أصحاب الدخل المحدود، وتقصر التقاضي على أصحاب الملاءة المالية.
وأكد أنه تشكل الرسوم القضائية ورسوم الخبراء جزءا أساسيا من تكاليف التقاضي. ورغم أن فرض رسوم معقولة قد يكون مبرراً لضمان جدية الدعاوى ومنع الدعاوى الكيدية، إلا أن المبالغة فيها يمكن أن تصبح عائقا حقيقيا أمام الأفراد، خصوصاً ذوي الدخل المحدود من الوصول إلى العدالة.
وقال: حرمان الفئات الضعيفة عندما تكون الرسوم مرتفعة، قد يُجبر الافراد على التنازل عن حقوقهم خوفا من التكاليف الباهظة، حتى لو كانوا على حق. هذا يُخالف مبدأ المساواة أمام القانون.
وأضاف: تشجيع التسوية خارج القضاء بغير حق قد تجبر الأطراف على قبول تسويات غير عادلة لتجنب تكاليف التقاضي الباهظة، مما يقلل من فعالية القضاء كوسيلة لفض النزاعات، كما له تأثير على جدية الدعاوى بينما تهدف الرسوم إلى تقليل الدعاوى الكيدية، فإن المبالغة فيها قد تعيق حتى الدعاوى المشروعة التي تتطلب خبرة متخصصة أو إجراءات مطولة.
وقال: إن تأخير البت في الدعاوى في بعض القوانين القضائية، قد يؤدي عدم سداد الرسوم المطلوبة إلى استبعاد الدعوى أو تأخير البت فيها، مما يعيق سير العدالة.
رسوم الخبراء
وحول رسوم الخبراء والمبالغة فيها قال: تعد الخبرة القضائية أداة أساسية في العديد من الدعاوى المعقدة مالية هندسية طبية، إلخ. تعين المحكمة الخبراء لتقديم آراء فنية تساعدها في فهم الجوانب المتخصصة للقضية.
أهمية دور الخبير: يساهم الخبير في إظهار الحقيقة الفنية أو التقنية في النزاع، وبالتالي يساعد المحكمة على إصدار حكم عادل ومبني على أسس صحيحة، وقد تطلب أتعابا باهظة من الخبراء، وخاصة في القضايا ذات القيمة العالية أو التي تتطلب جهدا كبيرا.
هذه الأتعاب تضاف إلى الرسوم القضائية وتزيد العبء المالي على المتقاضين، كما أن غياب الضوابط الكافية في بعض الحالات، قد لا توجد ضوابط واضحة في حالة تأجيل الدعوى وكثرة التنقلات في اليوم الواحد تحدد رسم لكل تنقل رغم ان المهمة نفسها الموضوع المعروض عليه)، ولديه سيارة مخصصة لتنقلاته، مما يمكنهم من فرض رسوم خبرة غير مبررة.
وأضاف: تتناول القوانين المختلفة مبدأ الرسوم القضائية ورسوم الخبراء، مع محاولة الموازنة بين تحقيق العدالة وضمان استمرارية مرفق القضاء.
فمعظم الدول لا تطبق مبدأ المجانية المطلقة للتقاضي، ولكن تفرض رسوما بسيطة أو معقولة. يُعزى ذلك إلى الحاجة التمويل مرفق القضاء، والحد من الدعاوى الكيدية، وتتيح معظم التشريعات إمكانية الإعفاء الكلي أو الجزئي من الرسوم القضائية للأفراد الذين يثبت عجزهم عن دفعها، بشرط أن تكون دعواهم محتملة الكسب هذا يُعد صمام أمان لضمان حق الوصول إلى العدالة للفئات غير المقتدرة ماديا، كما أن ينص القانون رقم 17 لسنة 1973 في شأن الرسوم القضائية الكويتي (المادة (14) على إعفاء من يثبت عجزه دفع الرسوم، بشرط احتمال كسب الدعوى.
وحول ضوابط تقدير الرسوم قال: تضع القوانين عادة جداول أو نسبا محددة لتقدير الرسوم القضائية بناءً على قيمة الدعوى أو نوعها.
وقد تم تعديل قانون الرسوم القضائية في الكويت بمرسوم بقانون (يونيو (2025) لزيادة النسب المئوية للرسوم على الدعاوى معلومة القيمة (5) حتى 30 ألف دينار، 3.5% لما يزيد على ذلك، وهكذا. هذه الزيادات قد تثير الجدل حول تأثيرها على الحق في التقاضي.
وبشأن الطعن في أوامر تقدير الرسوم وأتعاب الخبراء فقال: تتيح القوانين للمتقاضين حق التظلم أو المعارضة في أوامر تقدير الرسوم القضائية أو أتعاب الخبراء إذا اعتبروها مبالغا فيها، ويمكن الطعن على أوامر تقدير أتعاب الخبير في مدة معينة ( عادة 8 أيام من تاريخ الإبلاغ)، ورقابة القضاء على أتعاب الخبراء للمحكمة سلطة تقدير أتعاب الخبير، ولها الحق في تخفيضها إذا رأت أنها مبالغ فيها أو لا تتناسب مع الجهد المبذول أو أهمية العمل المنجز.
ويعد هذا من أهم الضمانات ضد المبالغة في أتعاب الخبراء، وقال: يمكن مساءلة الخبير تأديبيا في حال ثبوت الإهمال أو التقصير أو المبالغة غير المبررة في الأتعاب.
ومن المبادئ القانونية المقارنة فمحكمة النقض المصرية قررت إذا كان فرض الرسوم على الدعاوى وسيلة تنظيمية لا تهدف إلى منع الوصول للقضاء، فإن المغالاة فيها عائق.
المبالغة بالرسوم
كما أن القانون الفرنسي ينص على إعفاء الفقراء من الرسوم القضائية بشكل تام أو جزئي. وفي القضاء الكويتي أقر فيه أحكام عدة منها: أن الرسوم لا يجوز أن تكون وسيلة لحرمان الأفراد من حق التقاضي بل يجب أن تراعي إمكاناتهم، وتحدد بما لا يرهقهم.
كما أن التقاضي حق أساسي يكفله الدستور المادة 166 من الدستور الكويتي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان المادة (7)، فالمبالغة في الرسوم تخالف هذا المبدأ لأنها تحول دون نفاذ الفئات محدودة الدخل إلى القضاء، خاصة في الدعاوى مرتفعة القيمة، ففي مصر، قد تصل الرسوم النسبية إلى 5% من قيمة الدعوى إذا تجاوزت 4000 جنيه.
وفي السعودية، تفرض رسوم بنسبة 5% على المطالبات الأقل من 100,000 ريال الإخلال بمبدأ المساواة:
وقال: تؤدي الرسوم المرتفعة إلى تفضيل الأغنياء في الوصول للعدالة، وهو ما يناقض مبدأ المساواة أمام القانون.
حيث الغت المحكمة الدستورية المصرية عام 1993 نصاً قانونياً يفرض رسوماً باهظة لكونه يثقل كاهل المتقاضين.
تأثير رسوم الخبراء عائق مادي: قد تتجاوز أتعاب الخبراء قدرة المتقاضي، خاصة في القضايا المعقدة (مثل القضايا العقارية أو الطبية). مثلا التضامن في السداد في مصر، يلزم المتقاضون بالتضامن في دفع الرسوم التكميلية للخبراء، ما يزيد العبء.
الآثار السلبية
وأضاف: كما أن الآثار السلبية على مبدأ العدالة الإفلات من العقاب، قد تدفع الرسوم المرتفعة الضحايا، إلى التنازل عن المطالبة بحقوقهم، أو اللجوء إلى العدالة البديلة غير الرسمية، تفشي الدعاوى الكيدية ومفارقة قانونية بينما تفرض الرسوم لردع الدعاوى الكيدية، فإنها قد تستخدم من قبل الأغنياء لإرهاب الخصوم محدودي الدخل، وتعطيل سير العدالة، ورفض قبول الدعاوى، وفي مصر على سبيل المثال يرفض قبول الدعوى إذا لم تدفع الرسوم كاملة، مما يعيق حق الدفاع.
وقال مثال على ذلك في السعودية يشترط الاعتراض على تقدير الرسوم خلال 8 أيام، وهو إجراء قد لا يدركه المتقاضي العادي.
– تعد المبالغة في الرسوم القضائية ورسوم الخبراء إحدى التحديات التي تواجه الحق في التقاضي وتشكل تهديدا لمبدأ العدالة.
حق دستوري
وأكد أن الحق في التقاضي هو حق دستوري وإنساني أساسي يكفل لكل فرد اللجوء إلى القضاء للحصول على حماية حقوقه ومصالحه المشروعة.
هذا الحق يشمل الوصول إلى المحاكم، وضمان محاكمة عادلة، والحصول على حكم قضائي.
فمبدأ العدالة، يشمل جوانب عدة منها العدالة الإجرائية ضمان تطبيق الإجراءات القانونية بشكل عادل ومنصف)، والعدالة الموضوعية، ضمان أن تكون الأحكام القضائية منصفة ومحققة للعدل والمبالغة في الرسوم تتعارض مع كل من الجانبين.
وقال: اذاً التوازن المطلوب ويكمن التحدي في تحقيق توازن دقيق بين
ضمان مجانية التقاضي للفئات غير القادرة من خلال آليات الإعفاء والمساعدة القانونية. وتمويل مرفق القضاء لضمان استقلاليته وكفاءته، ومنع الدعاوى الكيدية التي ترهق المحاكم وتعيق عملها.
واختتم بالقول إن الحق في التقاضي لا يُقاس بمقدار المال في جيب المتقاضي، بل يجب أن يُصان كحق دستوري للجميع دون تفرقة وإن فرض رسوم أو أمانات مبالغ فيها يُعد إخلالاً جوهريا بمبادئ العدالة
وتشكل صورة من صور التمييز غير المشروع واغتيال للعدالة باسم التنظيم.؟!
توصيات
– تحقيق العدالة يضمن وصول كل ذي حق إلى حقه دون عوائق مالية غير مبررة.
– تفعيل آليات المساعدة القضائية وتسهيل إجراءات الحصول على الإعفاء من الرسوم القضائية للفئات المستحقة.
– وضع ضوابط واضحة ومحددة لأتعاب الخبراء بما في ذلك تحديد سقف للأتعاب في أنواع معينة من الدعاوى.
– مراجعة دورية للرسوم القضائية لضمان تناسبها مع الواقع الاقتصادي للمجتمع، وتجنب تحولها إلى عائق.
– تفعيل الرقابة القضائية الفعالة على تقدير هذه الأتعاب.
– تشجيع الوسائل البديلة لتسوية المنازعات مثل التحكيم والصلح كبدائل قد تكون أقل كلفة وأسرع في بعض الحالات ولكن مع ضمان عدم المساس بالحق في اللجوء إلى القضاء.
– تقنين الرسوم بما يتناسب مع قدرة المتقاضي.
– إعفاء محدودي الدخل من الرسوم أو تقسيطها.
– تحديد سقف أعلى لرسوم الخبرة.
– تمكين القضاء من تقدير الإعفاءات تلقائياً في الحالات المستحقة.
– التدرج في فرض الرسوم وتطبيق نظام تصاعدي، (كما في السعودية بحيث تتناسب الرسوم مع قيمة المطالبة ودخل المتقاضي.
– إعفاء الفئات التالية: كالعمال، وليس مديري الشركات وغيرهم وذوي الدخل المحدود من الرسوم.
– إنشاء صندوق حكومي كما في فرنسا لتغطية رسوم من لا يستطيع الدفع، ويشارك فيه جمعية المحامين او الجمعيات الخيرية وغيرها.