“صفر برميل نفط في أبريل… والكويت تملك ألف باب للثروة”: ناقوس الخطر… وخريطة الطريق إلى الكويت الجديدة

بقلم: رئيس التحرير
افتتاحية القبس اليوم ليست مجرد مقال اقتصادي، بل هي جرس إنذار ونداء وطني يجب أن يتوقف عنده كل مسؤول وكل مواطن.. أن تسجل الكويت لأول مرة منذ التحرير «صفر صادرات نفطية» خلال شهر كامل، فهذا ليس خبراً عابراً يمر في صفحات الجرائد، بل رسالة قاسية تكشف حجم التحدي الذي نواجهه، وتؤكد أن الاعتماد على مصدر دخل واحد مهما بلغت قوته وثروته يبقى رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن العالم يتغير بسرعة، وأن الأزمات والحروب قد تقلب المعادلات في أيام قليلة، واليوم لم يعد السؤال:
هل نحتاج إلى تنويع مصادر الدخل؟
بل أصبح السؤال:
لماذا تأخرنا كل هذه العقود في تنفيذ ما كنا نتحدث عنه منذ السبعينيات؟ (خمسين سنة)!!!
الكويت لا تعاني من نقص المال ولا من قلة الفرص، بل تمتلك من المقومات ما يجعلها واحدة من أكثر دول المنطقة قدرة على تحقيق نهضة اقتصادية استثنائية، فهي تقع في موقع جغرافي فريد يربط الخليج بالعراق، وإيران، وآسيا الوسطى، والشام، والبحر الأبيض المتوسط، وأوروبا، وتمتلك واجهة بحرية مهمة، وأراضي واسعة غير مستغلة، ورصيداً تاريخياً وحضارياً وثقافياً يفوق ما يتصوره الكثيرون.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بفرض الرسوم والضرائب، بل يبدأ بإطلاق مشاريع وطنية كبرى تخلق مصادر دخل جديدة وتفتح أبواباً واسعة للاستثمار والعمل والإنتاج.
لقد سبق أن طرحنا فكرة إنشاء مطارات جديدة في الوفرة والسالمي، ونضيف إليها مطاراً دولياً في الصبية ليكون الذراع الجوية لمدينة الحرير وميناء مبارك الكبير، فكيف يمكن لمدينة عالمية وميناء يربط التجارة بين آسيا وأوروبا أن ينجحا من دون مطار حديث يدعم حركة الركاب والشحن الجوي؟ كما أن مطار الصبية قادر على خدمة جنوب العراق واستقطاب ملايين المسافرين والبضائع مستقبلاً.
أما مطارا الوفرة والسالمي فسيخدمان جنوب وغرب الكويت والمناطق الحدودية المجاورة، ويجسدان مبدأً استراتيجياً بالغ الأهمية هو توزيع المخاطر، فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن تركيز جميع المطارات الحيوية في موقع واحد يعرّض الدولة للتعطل عند الأزمات، بينما يمنح تعدد المطارات الكويت مرونة أكبر، ويعزز السياحة والتجارة والشحن الجوي، ويفتح مصادر دخل جديدة تدعم الاقتصاد الوطني لعقود قادمة.
وفي الجانب الزراعي، فإن مشروع المزارع الصغرى الذي قدمناه للحكومة والذي تقوم فكرته على توزيع المزارع الصغرى المخصصة للشباب والمتقاعدين في شمال وغرب الكويت؛ من غير أن تتحمل الدولة أي تكاليف نهائياً، يستحق أن يكون مشروعاً وطنياً استراتيجياً، فهذا المشروع لا يحقق الأمن الغذائي فحسب، بل يسهم في استقرار السكان بالقرب من الحدود، ويخلق آلاف الفرص الاستثمارية والإنتاجية، والشركات الكبرى والمصانع الغذائية، ويشكل حزاماً أخضر يساعد في الحد من زحف الرمال والعواصف الترابية، ويحسن البيئة، ويرفع جودة الحياة.
إنه مشروع يجمع بين الأمن الوطني والسياسي والحدودي، والأمن الغذائي، والأمن البيئي، والأمن الاقتصادي في آن واحد.
أما في قطاع السياحة، فلا تزال الكويت تمتلك كنزاً ضخماً لم يُستثمر كما ينبغي. فمن غير المعقول أن تبقى السياحة تمثل نسبة محدودة من الاقتصاد بينما تنجح دول عديدة في تحويل الصحراء إلى وجهات عالمية يقصدها ملايين الزوار سنوياً.
ولهذا فإن مشروع «كويت لاند» الذي قدمناه للحكومة يمكن أن يقام دون أي تكاليف على الإطلاق على الحكومة في المنطقة الواقعة بين المطلاع والسالمي والحدود الشمالية، إلى جانب مشروع «سفاري الكويت» والمخيمات الصحراوية المتطورة، والقرى التراثية، والمتاحف المفتوحة، والمهرجانات الدولية، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد الوطني، فالكويت ليست مجرد آبار نفط، بل هي أرض تاريخية عرفت التجارة البحرية، والغوص على اللؤلؤ، والقوافل الصحراوية، ولديها قصص وتراث وإنسان وتجربة تستحق أن تُروى للعالم.
كما أن إنشاء مسارات بديلة وآمنة لتصدير النفط يجب أن يكون ضمن أولويات الأمن الاقتصادي الوطني في المرحلة المقبلة، ومن الأفكار الجديرة بالدراسة إحياء مفهوم خطوط الأنابيب البرية بالشراكة مع المملكة العربية السعودية، على غرار مشروع «التابلاين» التاريخي، وإنشاء ميناء نفطي استراتيجي على ساحل البحر الأحمر يخدم مصالح البلدين، بتمويل واستثمار كويتي أو بشراكة خليجية متكاملة، فتنويع منافذ التصدير لا يقل أهمية عن تنويع مصادر الدخل، لأنه يضمن استمرار تدفق الصادرات في أوقات الأزمات والتوترات الإقليمية، ويعزز أمن الطاقة، ويقلل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على ممر بحري واحد، مهما بلغت أهميته الاستراتيجية.
إن الكويت اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة، فالأزمات الكبرى كثيراً ما تكون بداية التحولات الكبرى، وما نحتاجه ليس المزيد من الدراسات واللجان والشعارات، بل رؤية وطنية جريئة تنتقل من إدارة الإيرادات إلى صناعة الإيرادات، ومن انتظار النفط إلى بناء اقتصاد متنوع يقوده الاستثمار والإنتاج والتجارة والسياحة والزراعة والخدمات اللوجستية.
إن خبر «صفر صادرات نفطية» يجب ألا يُسجل في التاريخ بوصفه لحظة أزمة فقط، بل يجب أن يُذكر باعتباره اللحظة التي استيقظت فيها الكويت، وأدركت أن مستقبلها لا يُبنى على مورد واحد، بل على عشرات الموارد، وأن الوطن الذي صنع المعجزات في الماضي قادر بإذن الله على صناعة معجزة اقتصادية جديدة تليق بمكانته وتاريخه وطموح أبنائه.
