مقالات وكتاب

هل يُطلب من رجلٍ في السبعين أن يبدأ حياته من جديد؟

بقلم: رئيس التحرير 

على مدى الأيام والأسابيع الماضية، كتبنا أكثر من مقال، وطرقنا هذا الملف من جوانبه الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، ووجهنا النداء إلى سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، وإلى سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله الأحمد الصباح، وإلى معالي النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف الصباح، وإلى معالي وزير الدولة لشؤون الإسكان المهندس عبداللطيف حامد المشاري، وإلى كل مسؤول يملك القرار أو يسهم في صناعته، لأننا نؤمن أن هذه القضية لا تبحث عن استثناء، ولا تطلب امتيازاً، بل تناشد العدالة والرحمة والإنصاف.

واليوم، ومع اقتراب موعد الإخلاء، نجد أنفسنا مضطرين إلى تجديد هذا النداء، بعدما تحولت مشاعر القلق إلى واقع يعيشه مئات الآباء والأمهات والأجداد الذين يخشون أن يستيقظوا قريباً على خبر يفقدهم البيت الذي ظنوا أنه سيكون آخر محطات الاستقرار في حياتهم.

إن قضية إخلاء مساكن مشروع «من باع بيته» في تيماء لم تعد مجرد ملف إداري، بل أصبحت قضية إنسانية تمس مئات الأسر الكويتية التي لا تطلب سوى أن تنام مطمئنة في بيوتها، في وطن عُرف دائماً بأنه وطن الرحمة والإنصاف والوفاء لأبنائه.

تخيلوا المشهد للحظة:

رجل كويتي تجاوز عمره 70 عاماً، أفنى عمره في خدمة وطنه، وربّى أبناءه، وأصبح اليوم جداً يحيط به أبناؤه وأحفاده. لم يعد يبحث عن بيت أكبر، ولا عن استثمار، ولا عن مكسب، بل يبحث عن شيء واحد فقط… الطمأنينة.

هذا الرجل عندما استلم منزله في مشروع تيماء لم يستلمه بيتاً جاهزاً كما يتصور كثير من الناس.

لقد استلم بيتاً يحتاج إلى أن يبدأ العمل فيه من الصفر تقريباً.

لم تكن هناك أجهزة تكييف، وإنما تمديدات داخل الجدران فقط.

ولم يكن هناك مطبخ مجهز.

ولا خزائن.

ولا ديكورات.

ولا كثير من أعمال الإضاءة.

ولا تجهيزات داخلية تكفي لأسرة كويتية.

بل حتى سور السطح لم يكن مكتملاً بالشكل الذي يوفر الأمان للأسرة، واضطر كثير منهم إلى استكماله على نفقتهم الخاصة.

وأجرى كثير منهم تعديلات على التمديدات الكهربائية، وأضافوا محولات كهربائية، وأعادوا ترتيب كثير من مرافق المنزل حتى يصبح صالحاً للسكن.

كل ذلك لم يكن ترفاً.

بل كان ضرورة حتى تستطيع الأسرة أن تعيش حياة طبيعية.

ولذلك أنفق أقلهم 10 آلاف دينار، وبعضهم 20 ألفاً، ووصل إنفاق كثير من الأسر إلى 30 و40 ألف دينار.

ولم تكن هذه الأموال موجودة في حساباتهم البنكية.

بل اقترضوها، وبعضهم اقترضها هو وأولاده!

وما زال كثير منهم يسدد أقساط تلك القروض حتى اليوم، وربما يستمرون في سدادها حتى آخر يوم في أعمارهم..

فهل يُعقل بعد كل ذلك أن يُطلب منهم تسليم هذه البيوت وكأن شيئاً لم يكن؟

والأمر الذي يغيب عن كثير من الناس أن الدولة نفسها عندما نفذت لاحقاً مشاريع أخرى لفئة «من باع بيته» في مدينة صباح الأحمد، تداركت كثيراً من النواقص الموجودة في مشروع تيماء، فجاءت البيوت أكثر اكتمالاً وجاهزية.

وهذا بحد ذاته اعتراف عملي بأن المشروع الأول كانت فيه احتياجات تطلبت من المواطنين تحمل تكاليف إضافية كبيرة حتى يصبح صالحاً للسكن.

فإذا كانت الدولة قد استفادت من التجربة وطورت المشاريع اللاحقة، فمن الإنصاف أيضاً أن تراعي ظروف الأسر التي تحملت تكاليف تلك النواقص من أموالها الخاصة.

ثم دعونا نسأل سؤالاً بسيطاً:

إذا خرج هؤلاء اليوم، فمن سيستفيد؟

هل ستستفيد الدولة؟

أم ستتحمل كلفة أكبر؟

فإخراج هذه الأسر قد يدفع أعداداً كبيرة منهم إلى العودة لشراء مساكن جديدة والحصول على قروض إسكانية، وهو ما قد يكلف الدولة مئات الملايين من الدنانير، بينما هم اليوم يدفعون إيجاراتهم بانتظام.

أين المنطق الاقتصادي في ذلك؟

ثم ماذا عن الجانب الإنساني؟

هل يستطيع رجل تجاوز السبعين أن يبدأ رحلة جديدة للبحث عن منزل.

هل يستطيع أن ينقل أسرته وأثاثه وذكرياته؟

هل يستطيع أن يبدأ من جديد بعد أن ظن أن ما تبقى من عمره سيقضيه في بيت استقر فيه مع أبنائه وأحفاده؟

إن البيت بالنسبة للشباب قد يكون مرحلة.

أما بالنسبة لمن تجاوز السبعين فهو وطن صغير.

هو المكان الذي يريد أن يرى فيه أحفاده يكبرون.

وهو المكان الذي يريد أن يورثه لأبنائه، لا لأن قيمته المالية كبيرة، بل لأن فيه عمره وذكرياته وراحته.

ولهذا فإن القضية اليوم ليست قضية مبانٍ، بل قضية سكينة.

إنها قضية رجل يريد أن يختم حياته مطمئناً، لا أن يقضي سنواته الأخيرة بين المكاتب والانتقال من منزل إلى آخر.

إن الكويت التي عُرفت دائماً بأنها بلد الخير والرحمة، لا يليق بها أن تُدخل القلق إلى بيوت مئات الأسر في آخر العمر، وهي القادرة على إيجاد حلول تحفظ هيبة القانون، وفي الوقت نفسه تحفظ كرامة المواطن.

والحلول موجودة.

منها تمليك هذه المساكن بالقرض الإسكاني لمن تنطبق عليهم الشروط، أو على أقل تقدير منحهم مهلة عادلة، أو تعويضهم عن عشرات الآلاف التي أنفقوها على تجهيز هذه البيوت التي لم يستلموها مكتملة.

فالدولة التي استطاعت أن تعالج النواقص في المشاريع اللاحقة، تستطيع أيضاً أن تعالج آثارها على من سبقهم.

ويبقى السؤال الذي نأمل أن يصل إلى كل مسؤول:

هل من العدل أن يُطلب من رجل بلغ 70 أو 75 أو 80 عاماً، وبعد أن أنفق عمره وماله وجهده في تجهيز بيته، أن يبدأ حياته السكنية من جديد؟

إنني على ثقة بأن الكويت، قيادةً وحكومةً، لن ترضى أن يكون ختام رحلة مواطن خدم وطنه، وربّى أبناءه، وصبر على أعباء الحياة، هو القلق على بيت يأويه في آخر العمر، وما نرجوه اليوم ليس استثناءً من القانون، بل قراءةً أوسع له، تراعي الإنسان كما تراعي النص، وتحفظ كرامة المواطن كما تحفظ هيبة الدولة، فما زال في الوقت متسع لأن يُكتب الفصل الأخير من هذه القضية بقرار يحمل الرحمة قبل أن يحمل الإخلاء، ويمنح مئات الأسر دعاءً صادقاً للوطن وقيادته، بدلاً من أن يترك في قلوبها غصةً قد تبقى ما بقي العمر.

فالقرار الذي يصنع الطمأنينة لا ينساه الناس، والقرار الذي يرفع القلق عن مئات الأسر يبقى أثره في الدعاء قبل أن يبقى في التاريخ، وما زال الأمل كبيراً في أن تنتصر الحكمة، وأن يُكتب لهذه القضية حل يجمع بين العدالة والرحمة، لتبقى الكويت كما عرفها أبناؤها دائماً.. وطناً يجبر القلوب قبل أن يصدر القرارات، ويحتضن كبار السن في آخر العمر، ولا يكسر قلوبهم.

زر الذهاب إلى الأعلى