الثاني من أغسطس.. يومٌ توقفت عنده عقارب الزمن.. فلا يغيب عن الذاكرة..

بقلم: رئيس التحرير
الثاني من أغسطس ليس يومًا عاديًا في ذاكرة الكويت، بل هو يوم توقفت عنده عقارب الزمن، وبقي حاضرًا في الوجدان مهما تعاقبت السنين، فهو ليس مجرد تاريخ في صفحات التقويم، بل ذكرى امتزج فيها الألم بالفخر، والخوف بالأمل، والدموع بالإيمان بأن الأوطان التي تتكاتف شعوبها لا تنكسر، مهما اشتدت عليها المحن.
في فجر الثاني من أغسطس عام 1990، استيقظ الكويتيون على مشهد لم يخطر ببال أحد، ففي ساعات قليلة تبدلت ملامح الحياة، وساد القلق كل بيت، وافترقت عائلات، وارتقى شهداء، وامتلأت القلوب بالخوف على وطن كان بالأمس ينعم بالأمن والاستقرار، ولم يكن ذلك اليوم اختبارًا للأرض وحدها، بل كان امتحانًا للإيمان، والانتماء، والوفاء، والقدرة على الصمود في أصعب الظروف.
وفي تلك اللحظات العصيبة، تجلت حكمة القائد الراحل سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، الذي لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى شعبه، فتمسك بالشرعية، وأدار الدولة بحكمة واقتدار من مقر الحكومة في مدينة الطائف، مؤمنًا بأن الحق لا يموت، وأن الكويت ستعود إلى أهلها مهما طال ليل الاحتلال، وقد استطاع بحكمته وهدوئه وثباته أن يوحد الكلمة الكويتية، وأن يحشد التأييد العربي والدولي لقضية عادلة، حتى أصبحت الكويت قضية العالم كله، لا قضية شعبها وحده.
وكان من أعظم أسرار قوة الكويت في تلك المحنة أن القيادة والشعب كانا قلبًا واحدًا، وإرادةً واحدة، وهدفًا واحدًا؛ فقد قاد سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، المرحلة بحكمة وثبات، بينما وقف الشعب الكويتي بأكمله خلف قيادته الشرعية، لا يفرق بينهم انتماء لحزب أو طائفة، ولا مصالح خاصة، أصبح الجميع كويتيين فقط، يجمعهم وطن واحد، وهدف واحد، وأمل واحد، هو تحرير الكويت وعودة رايتها خفاقة فوق أرضها.
وفي الداخل، كتبت المقاومة الكويتية صفحات ستظل خالدة في تاريخ الوطن، وقدمت نماذج نادرة في الشجاعة والتضحية والصبر، بينما كانت في الخارج معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة الكلمة، والإعلام، والدبلوماسية، وإقناع العالم بعدالة القضية الكويتية.
وأستعيد اليوم تلك الأيام، ليس للحديث عن نفسي، وإنما لأشهد على مرحلة من تاريخ وطني، فقد كنت آنذاك شابًا صغيرًا ضمن فريق دبلوماسي إعلامي يعمل تحت إشراف وزارة الخارجية، ومن خلال سفارة دولة الكويت في المملكة الأردنية الهاشمية، في وقت كانت فيه الساحة الإعلامية الأردنية واقعة تحت تأثير النظام العراقي وروايته للأحداث.
وكان هذا الفريق يعمل بتكليف من الدكتور بدر اليعقوب، رحمه الله، وزير الإعلام آنذاك، وضم نخبة من الزملاء المخلصين، برئاسة الأستاذ علي العدواني، وعضوية المحامي المعروف ناهس العنزي، والإعلامي فالح مسلط العدواني، رحمه الله، والدكتور خالد مرضي العنزي، ممن أدوا واجبهم الوطني بصمت وإخلاص.
وكانت الحكومة الكويتية آنذاك تتخذ من مدينة الطائف مقرًا لها، فيما انتشرت الوفود الدبلوماسية والإعلامية والسياسية الكويتية في مختلف دول العالم، كلٌّ يؤدي رسالته في موقعه، أما نحن فكنا نعمل في الأردن، نواجه حملات التضليل الإعلامي، ونتعرض، مثل غيرنا، للتهديد والمضايقات، لكن إيماننا بعدالة قضية الكويت، وإيماننا بأننا ندافع عن وطننا، كان أكبر من كل خوف.
ولم نكن وحدنا، فقد كان آلاف الكويتيين، داخل الوطن وخارجه، يؤدون أدوارًا مختلفة في خدمة الكويت؛ في المقاومة، والإعلام، والدبلوماسية، والعمل السياسي، والعسكري، والإغاثة، وكثير منهم لم يتحدث يومًا عما قدمه، لأنهم كانوا يرون أن الدفاع عن الوطن واجب لا يُنتظر عليه ثناء، وأن ما فعلوه لم يكن بطولة شخصية، بل أقل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه في ساعة المحنة.
ولعل كثيرًا من أبناء الجيل الجديد، بل حتى بعض المقربين منا، لا يعرفون شيئًا عن تلك التفاصيل، بل إن بعض أبناء أولئك الرجال أنفسهم لم يسمعوا منهم ما قدموه، لأنهم آثروا أن تبقى أعمالهم بين ضمائرهم ووطنهم، واليوم لا نذكر هذه المواقف طلبًا للثناء، وإنما حتى تبقى الذاكرة الوطنية حيّة، وحتى تعرف الأجيال أن للكويت رجالًا ونساءً وقفوا معها في أحلك الظروف، بصمت وإخلاص، حتى عاد الوطن إلى أهله.
ولئن كان الكويتيون قد ضربوا أروع الأمثلة في الصمود، فإن الوفاء يقتضي ألا ننسى المواقف الأخوية التي ستظل محفورة في ذاكرة كل كويتي، وفي مقدمتها موقف المملكة العربية السعودية، حكومة وشعباً بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، الذي فتح أرض المملكة للكويت، واستقبل القيادة الشرعية، واحتضن الحكومة الكويتية، والشعب الكويتي، ووضع كل الإمكانات المالية والسياسية والعسكرية والإنسانية في خدمة قضية الكويت، حتى أصبحت المملكة، بحق، سندًا وشقيقًا وقف مع الكويت في أصعب ساعات تاريخها.
كما لا يمكن للكويت أن تنسى المواقف المشرفة التي سطرها أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولا المواقف الأخوية الصادقة لشعوب الخليج كافة، الذين أثبتوا أن ما يجمعهم أكبر من حدود الجغرافيا، وأن المصير المشترك ليس شعارًا يُردد، بل حقيقة تجلت في أصعب الظروف.
كما يبقى الشكر الجزيل موصولًا لكل الدول العربية والصديقة، ولكل من وقف مع الكويت سياسيًا أو دبلوماسيًا أو إنسانيًا أو عسكريًا، حتى عادت راية الكويت ترفرف فوق أرضها من جديد.
لقد علمتنا تلك التجربة أن أمن الخليج لا يتجزأ، وأن أي تهديد يستهدف دولة من دوله لا يقف عند حدودها، بل يمتد أثره إلى الجميع، وقد أثبت التاريخ أن قوة الخليج الحقيقية لا تكمن في إمكانات كل دولة منفردة، وإنما في وحدتها، وتكاملها، وسرعة تنسيقها، وإيمانها بأن المصير واحد، وأن المحافظة على الأمن والاستقرار مسؤولية جماعية.
ولعل من أهم الدروس التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا أن التحديات التي تواجه منطقتنا لا تتوقف، وإن اختلفت أشكالها أو تبدلت مصادرها عبر الزمن، ولذلك فإن تعزيز التعاون الخليجي، وتطوير منظومات الدفاع المشترك، وتوحيد الرؤى في القضايا المصيرية أصبح ضرورة استراتيجية لحماية أوطاننا، وصون أمن شعوبنا، والحفاظ على استقرار المنطقة، فكلما ازداد الخليج تماسكًا، ازدادت قدرته على ردع الأخطار، وترسيخ السلام، وحماية مكتسباته.
ومن الجميل أن الدعوة إلى الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد الخليجي لم تعد حبيسة رأي أو قلم واحد، بل أصبحت تجد صداها لدى كبار المفكرين ورجال الدولة في الخليج، وقد سرني المقال الذي نشره في جريدة القبس وجريدة الراي الوزير نبيل بن يعقوب الحمر، مستشار جلالة ملك مملكة البحرين لشؤون الإعلام ووزير الإعلام البحريني السابق، بعنوان «الخليج بين إعادة التموضع وضرورة حالة الاتحاد»، ولفت انتباهي قوله إن «الاتحاد ليس خيارًا بين بدائل عدة، بل هو الخيار الوحيد لضمان أن يكون الخليج لاعبًا أساسيًا في القرن الحادي والعشرين، لا مجرد ساحة تتأثر بما يقرره الآخرون».
وهي عبارة تختصر ببلاغة ما دعوتُ إليه مرارًا خلال السنوات الماضية، وما أؤمن به من أن مستقبل الخليج لا ينبغي أن يُبنى على ردود الأفعال، بل على رؤية مشتركة، وإرادة سياسية موحدة، وتكامل حقيقي يحفظ أمن أوطاننا، ويعزز استقرارها، ويصون مصالح شعوبها وأجيالها القادمة.
ومن هنا، أجدد الدعوة التي سبق أن طرحتها مرارًا إلى الانتقال بالتعاون الخليجي إلى آفاق أوسع، وصولًا إلى اتحاد خليجي أكثر تكاملًا في المجالات الأمنية والاقتصادية والتنموية، اتحاد يحافظ على سيادة كل دولة وخصوصيتها، ويعزز في الوقت نفسه قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة بروح الفريق الواحد، فالأحداث الكبرى لا ينبغي أن تُنسى بمجرد مرور الزمن، بل يجب أن تتحول إلى دروس تبني المستقبل، وتحمي الأجيال القادمة من تكرار المآسي.
إن ذكرى الغزو ليست مناسبة لإحياء الأحقاد، فالكويت كانت وستبقى دولة سلام، تؤمن بالحوار، وتحترم القانون الدولي، وتسعى إلى علاقات قائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل، لكنها في الوقت ذاته تعلمت من تجربتها أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وإلى وعي يصونه، وإلى وحدة تمنع العبث بأمن الأوطان.
رحم الله شهداء الكويت الأبرار، ورحم الله سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، ورحم الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، وجزى الله خيرًا كل من وقف مع الكويت في محنتها، من قادة وشعوب وأصدقاء أوفياء.
وسيظل الثاني من أغسطس، مهما تعاقبت السنوات، ليس يومًا للحزن، بل يومًا نستحضر فيه قيمة الوطن، ونعرف فيه معنى الوفاء، ونوقن أن الأوطان لا يحميها إلا رجالها، ولا تبقى قوية إلا بوحدتها، وأن الخليج كلما ازداد وحدةً وتماسكًا ازداد قدرةً على حماية أمنه، وصناعة مستقبله، وترسيخ السلام والازدهار لشعوبه وأجياله القادمة.