مقالات وكتاب

«كيلي كيلي الكويت».. عندما تحولت المقاطعة النفطية إلى أغنية هولندية

بقلم: رئيس التحرير 

لم تكن حرب أكتوبر 1973 معركة عسكرية دارت على جبهتي سيناء والجولان فقط، بل امتدت آثارها إلى الاقتصاد والسياسة والحياة اليومية في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن ميادين القتال، وللمرة الأولى بصورة مؤثرة بهذا الحجم، استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط ما تمتلكه من طاقة باعتبارها أداة ضغط سياسية على الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، فتحول النفط من سلعة اقتصادية إلى سلاح سياسي غيّر موازين كثيرة في العالم.

في 17 أكتوبر 1973، وبعد أيام من اندلاع الحرب في 6 أكتوبر، قررت الدول العربية المصدرة للنفط خفض الإنتاج تدريجيًا، وربطت استعادة الإمدادات بموقف الدول من الاحتلال الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية، وتشير وثائق الحكومة الأميركية المعاصرة للأزمة إلى أن التخفيض المقرر كان لا يقل عن 5 في المئة شهريًا، مع استمرار الضغط حتى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة واستعادة الحقوق الفلسطينية، ثم فُرض حظر كامل على دول عُدّت داعمة لإسرائيل، وكانت الولايات المتحدة وهولندا من أبرز المستهدفين.

وكانت هولندا حالة خاصة؛ إذ نظر إليها العرب باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية انحيازًا إلى إسرائيل خلال الحرب، واللافت أن الأرشيف الوطني الهولندي Nationaal Archief يحتفظ إلى اليوم ضمن وثائق سفارة هولندا في الكويت بملف رسمي مستقل عنوانه: «المقاطعة النفطية الكويتية ضد هولندا بسبب الموقف الهولندي المفترض المعادي للعرب، 1973–1974».

وهناك وثيقة استخباراتية أميركية مؤرخة في 5 نوفمبر 1973 تقول صراحة إن السعودية والكويت كانتا قد طبقتا تخفيضًا للإنتاج وفرضتا حظرًا إضافيًا على الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة وهولندا، وفي ديسمبر، كانت التقديرات الأميركية تتوقع أن تهبط إمدادات النفط العربي المتاحة لهولندا من نحو 2.9 مليون برميل يوميًا إلى صفر نتيجة الحظر والتخفيضات.

فالكويت لم تغلق آبار النفط مباشرة، كما تقول بعض المنشورات المتداولة اليوم، وإنما خفضت الإنتاج وشاركت في منع تصدير النفط إلى هولندا في إطار استخدام النفط العربي أداة ضغط خلال حرب أكتوبر.

عندما توقفت السيارات في هولندا

كانت النتيجة صادمة للمجتمع الهولندي.

وجدت حكومة رئيس الوزراء يوب دن أَويل Joop den Uyl نفسها أمام أزمة طاقة حقيقية، وبدأ الهولنديون يعيشون شيئًا لم يألفوه: إجراءات لتوفير الوقود، وتقنين البنزين، و«أيام الأحد الخالية من السيارات»، فتحولت الطرق السريعة المزدحمة إلى مساحات شبه خالية.

والفيديو التاريخي للأغنية الذي بقي محفوظًا يوثق تلك المرحلة، ويعرض بطاقات البنزين ومشاهد الطرق الخالية، ويشرح للمشاهد الهولندي أن بلاده دخلت أزمة النفط في 1973–1974 نتيجة المقاطعة العربية بسبب الدعم الهولندي لإسرائيل.

وفي إحدى اللقطات يظهر رئيس الوزراء دن أَويل مخاطبًا الهولنديين، ويقول عبارة تلخص فلسفة حكومته في التعامل مع الأزمة:

«لكن ليس من الضروري أن تصبح حياتنا أكثر تعاسة بسبب ذلك».

وكأن المجتمع الهولندي بدأ يبحث عن طريقة للتعايش مع الأزمة، وهنا دخلت الفكاهة على الخط.

«كيلي كيلي الكويت»

كان في هولندا برنامج تلفزيوني ساخر شهير اسمه «Farce Majeure – المهزلة الكبرى»، وهو اسم ساخر يحاكي التعبير القانوني الفرنسي Force Majeure – القوة القاهرة، ومن قلب أزمة النفط خرج فريقه بأغنية كرنفالية في مطلع عام 1974 حملت اسمًا لم يكن مألوفًا في الأغنية الشعبية الهولندية:

Kiele Kiele Koeweit

«كيلي كيلي الكويت»

وكانت الأغنية من تأليف وتلحين هاري بانيك Harry Bannink، ويان فيلكرس Jan Fillekers، وفريد بينافينتي Fred Benavente بحسب السجل الرسمي لـDutch Top 40، وصدرت الأغنية عن علامة Elf Provinciën (الأقاليم الإحدى عشرة) التابعة لشركة Dureco، وهي اختصار لـ Dutch Record Company (شركة التسجيلات الهولندية).

أما اللازمة التي التصقت بذاكرة الهولنديين فكانت:

Koeweit, Koeweit, Koeweit

Kiele kiele Koeweit

Kiele kiele hopsasa

أي:

«الكويت، الكويت، الكويت.. كيلي كيلي الكويت.. كيلي كيلي هوبساسا».

ولكن ماذا تعني «كيلي كيلي»؟

ليست رسالة سياسية واضحة يمكن ترجمتها بكلمتين، إنها عبارة هولندية مرحة مرتبطة بالدغدغة والملاطفة، ولها استعمال آخر بمعنى «بالكاد» أو «على الحافة»، إلا أن استخدامها هنا يبدو في المقام الأول لعبة صوتية كرنفالية مرحة تتناغم مع Koeweit، أي الكويت.

أما hopsasa فهي صيحة احتفالية إيقاعية قريبة من «هوب هوب» أو «هيا هيا».

ولذلك فالمقصود هو الجرس المرح والممازحة أكثر من المعنى الحرفي.

وعندما نقرأ كلمات الأغنية كاملة نفهم أنها ليست أغنية سياسية غاضبة تطالب الكويت بإعادة النفط، بل أغنية كرنفالية تسخر أساسًا من المأزق الذي وجد الهولنديون أنفسهم فيه.

فهي تقول بمعنى قريب:

في الكرنفال انسَ آلامك، وضع همومك جانبًا، واستمتع الآن، أما البنزين والأسعار فنفكر فيهما غدًا.

لكن جمال النص بالنسبة للهولندي كان في سلسلة من التلاعبات اللغوية التي يصعب نقلها إلى العربية.

فعندما تقول الأغنية:

in de olie zijn

فالمعنى الحرفي «أن تكون في الزيت/النفط»، لكن التعبير الشعبي الهولندي يعني أيضًا أن تكون ثملًا، أي أنهم يسخرون: قد نفتقد النفط، ولكن يمكننا في الكرنفال أن نظل «في الزيت»!

ثم يلعبون بكلمة:

Ara-bier

فتظهر داخلها bier، أي «البيرة»، في تلاعب صوتي مع كلمة «عربي».

ثم يفككون صوت كلمة benzine، أي البنزين، إلى لعبة لغوية تنتهي بمعنى: سنرى ذلك غدًا.

وفي المقطع الثاني تأتي السخرية الأكثر حدة، بمعنى: مهما تذمر «الشيخ»، فإن البيرة لن تدخل نظام التقنين، وحتى لو ارتفعت الأسعار، سنفكر في ذلك غدًا، والنص الأصلي الموثق في سجل Dutch Top 40 يؤكد هذه الألعاب اللفظية.

إذن الرسالة العامة للأغنية تبدو أقرب إلى:

لدينا أزمة نفط، والبنزين شحيح والأسعار ترتفع، لكن جاء الكرنفال، فلنضع همومنا جانبًا ونضحك اليوم، وغدًا نعود إلى أزمة النفط.

لماذا الكويت تحديدًا؟

اختيار الكويت لم يكن بقصد مهاجمتها تحديدًا، أو أن مؤلفي الأغنية أرادوا «التقرب منها» سياسيًا، لكن اختيار الكويت مفهوم في سياق تلك اللحظة: الكويت كانت دولة نفطية عربية بارزة، واسمها حاضر في أزمة الحظر، كما أن Koeweit تتلاءم موسيقيًا بصورة ممتازة مع اللازمة المرحة.

والأهم أن الفريق لم يتعامل مع الأغنية وكأنه نفذ عملًا سريًا معاديًا للكويت؛ بل فعل العكس تمامًا.

الفريق يذهب إلى قنصل الكويت!

ارتدى أعضاء Farce Majeure ملابس تحاكي ما اعتبروه أزياء «شيوخ النفط العرب»، ووضعوا اللحى والغتر والعقل بصورة كاريكاتيرية، ثم ذهبوا بأنفسهم إلى القنصل الفخري للكويت في هولندا، وقدموا إليه أول نسخة من الأسطوانة.

وهنا تظهر شخصية مهمة في هذه الحكاية تستحق التوقف عندها والتعريف بها:

القنصل الفخري للكويت في هولندا؛ محمود سليم رباني

(Mahmoud Salim Rabbani)

ولد رباني رحمه الله في حيفا في 2 مايو 1934، حين كانت المدينة ضمن فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، وأصبح لاجئًا فلسطينيًا بعد أحداث 1948، ثم أتاحت له منحة دراسية الانتقال إلى هولندا، حيث درس في جامعة دلفت للتكنولوجيا (Delft University of Technology)، واستقر لاحقًا في المجتمع الهولندي، وأتقن لغته، ليصبح مع مرور السنوات أحد أبرز الأصوات الداعية إلى الحوار العربي-الأوروبي والمدافعة عن القضية الفلسطينية في هولندا.

وعُيّن رباني قنصلًا فخريًا لدولة الكويت لدى مملكة هولندا، وتشير المؤسسة التي أسسها لاحقًا إلى أنه عُرض عليه أن يصبح سفيرًا، لكنه فضّل الاستمرار في عمله الخاص، مع مواصلة دوره في خدمة العلاقات العربية-الهولندية.

وخلال أزمة النفط عام 1973 ازدادت شهرته في هولندا، وأدى دورًا في الوساطة وتسهيل العلاقات التجارية بين هولندا والعالم العربي.

وبعد سنوات من عمله قنصلًا فخريًا لدولة الكويت في هولندا، عيّنه الملك الراحل الحسين بن طلال عام 1985 قنصلًا عامًا فخريًا للمملكة الأردنية الهاشمية لدى هولندا، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1989.

وفي عام 1979 أسس مع زوجته أنيسة مؤسسة لطفية رباني (Lutfia Rabbani Foundation)، وأطلق عليها اسم والدته تكريمًا لها ولما تحملته في تربية أبنائها، وجعل من أهداف المؤسسة تعزيز الحوار والتبادل التعليمي والثقافي بين أوروبا والعالم العربي، وتقديرًا لجهوده في بناء الجسور بين الثقافات، منحته الملكة الهولندية بياتريكس (Queen Beatrix) رتبة ضابط في وسام أورانيه-ناساو (Officer in the Order of Orange-Nassau).

وكان رباني من أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية في هولندا، وترأس مؤسسة فلسطين–هولندا، كما شغل بين عامي 1991 و1996 عضوية المجلس الوطني الفلسطيني، ومع ذلك، لم يكن تأييده للقضية الفلسطينية يعني تأييدًا غير مشروط لقيادتها؛ فقد ذكرت وكالة الأنباء الهولندية ANP أنه كان ينتقد بصورة منتظمة دور رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وهي سمة تكشف جانبًا مهمًا من شخصيته: الانتماء الواضح إلى القضية، مع الاحتفاظ باستقلاله في الرأي والنقد.

وتوفي محمود سليم رباني رحمه الله في فاسينار (Wassenaar) بهولندا في 30 مايو 2002 عن عمر 68 عامًا، وعند وفاته نشرت الصحافة الهولندية أخبارًا موسعة عن حياته؛ ومن بينها خبر نشرته صحيفة Reformatorisch Dagblad في 3 يونيو 2002، مستندًا إلى وكالة الأنباء الهولندية ANP، واستعاد الخبر واحدة من أشهر الوقائع المرتبطة باسمه: قصة أغنية «Kiele Kiele Koeweit»، وذكر الخبر أن أعضاء Farce Majeure، متنكرين في هيئة «شيوخ نفط»، قدموا إليه شخصيًا أول نسخة من الأسطوانة، وأن الواقعة تطورت إلى ضجة دبلوماسية استُدعي على إثرها القائم بالأعمال الهولندي في الكويت لشرح مضمون الأغنية للحكومة الكويتية.

وهنا حدث شيء جميل لا يظهر عادة في الروايات المختصرة المتداولة:

رباني لم يغضب:

بل استقبلهم بروح مرحة، وقال لهم كما يظهر في التسجيل:

«هذا جميل، جميل جدًا، شكرًا لكم».

ثم قال عبارة أعمق:

«من الجيد في أوقات الأزمات أن نحافظ على روح الدعابة، وأنا معجب كثيرًا بالطريقة الطريفة التي عالجتم بها هذه الأزمة».

وأضاف:

«وأقول دائمًا لأصدقائي الصحفيين: انتقدوا، ولكن حافظوا على روح الدعابة، ولا تكونوا جارحين أو بغيضين».

هذه الكلمات مهمة؛ لأنها تقدم لنا شاهدًا معاصرًا كان يمثل المصالح الكويتية في هولندا وفهم العمل باعتباره سخرية وفكاهة على الأوضاع الهولندية لا عداءً للكويت.

بل نجد في صحيفة هولندية مؤرخة في 18 يناير 1974 أن رباني كان يتحدث علنًا عن المقاطعة، ويرى أنها حققت جانبًا من هدفها بعدما أصبح الرأي الهولندي أكثر تفهمًا للموقف العربي من إسرائيل، وأنه سيطلب من زملائه العرب نقل ذلك إلى حكوماتهم تمهيدًا لإمكان رفع المقاطعة.

لكن الكويت لم تضحك

هنا انتقلت القصة من الكرنفال إلى الدبلوماسية.

الصور الكاريكاتيرية لأعضاء الفريق وهم يرتدون الزي العربي واللحى المصطنعة ويؤدون دور «شيوخ النفط» لم تُستقبل في الكويت بالطريقة نفسها التي استقبلها بها رباني.

ويثبت المصدر الهولندي أن الحكومة الكويتية لم تكن راضية عن الأغنية، بينما يشير Dutch Top 40 إلى احتمال وجود سوء فهم لمضمون النص الهولندي.

أما الواقعة المؤكدة فهي أن الأمر وصل إلى مستوى رسمي، فقد استُدعي القائم بالأعمال الهولندي في الكويت إلى الحكومة الكويتية وطُلب منه تفسير مضمون الأغنية، وتؤكد رواية وكالة الأنباء الهولندية ANP المنشورة في خبر تناول سيرة القنصل الفخري للكويت محمود سليم رباني عقب وفاته عام 2002، أن الواقعة أحدثت «ضجة دبلوماسية»، وأن الدبلوماسي الهولندي اضطر إلى شرح محتوى الأغنية للحكومة الكويتية.

والتسجيل التاريخي الذي بين أيدينا يؤرخ الاستدعاء في:

26 مارس 1974.

وهنا المفارقة الجميلة: أغنية بدأت بنقص البنزين في شوارع هولندا انتهت موضوعًا على طاولة الدبلوماسية في الكويت.

من أزمة دبلوماسية إلى أغنية ناجحة

لم تستمر المشكلة طويلًا، فالرواية الهولندية المصورة تقول إن رباني تعامل معها بروح رياضية وإن الأزمة الدبلوماسية انتهت بهدوء.

أما الأغنية نفسها فحققت نجاحًا كبيرًا. فقد وصلت Kiele Kiele Koeweit إلى المراكز الثلاثة الأولى في قائمة الأغاني الهولندية خلال أزمة النفط، وأصبحت واحدة من أشهر أغاني الكرنفال المرتبطة بتلك المرحلة، ويسجل Dutch Top 40 وصولها إلى المركز الثالث.

وهكذا، وبعد أكثر من نصف قرن، تبقى «كيلي كيلي الكويت» أكثر من مجرد أغنية طريفة.

إنها وثيقة ثقافية صغيرة عن لحظة كبيرة في التاريخ؛ لحظة اكتشف فيها العالم أن دولة صغيرة مثل الكويت، ومعها الدول العربية المنتجة للنفط، تستطيع أن تجعل قرارًا سياسيًا في الشرق الأوسط محسوسًا في محطة وقود في أمستردام، وفي طريق سريع خالٍ من السيارات، وفي خطاب لرئيس الوزراء الهولندي، بل وفي أغنية يرددها الناس في الكرنفال.

الأغنية لم تكن دعوة إلى العداء مع الكويت، كانت مزاحًا هولنديًا ساخرًا من أزمة مؤلمة، وفيها بالطبع صورة كاريكاتيرية للعربي و«شيخ النفط» يمكن أن نفهم لماذا أثارت حساسية في الكويت.

أما أجمل من فهم روحها آنذاك فربما كان محمود رباني نفسه، حين اختصر المسألة بعبارة تصلح بعد أكثر من 50 عامًا خاتمة للقصة كلها:

انتقدوا.. ولكن حافظوا على روح الدعابة، ولا تكونوا جارحين.

وهكذا تحولت مواجهة سياسية بدأت بالنفط والحرب الاقتصادية إلى قصة طريفة بقي اسم الكويت في لازمتها حتى اليوم:

«كويت.. كويت.. كويت.. كيلي كيلي كويت.. كيلي كيلي هوبساسا!»

زر الذهاب إلى الأعلى