مقالات وكتاب

مبادرة تمليك مساكن مشروع «من باع بيته» في شرق تيماء للمستفيدين الحاليين

استقرار للمواطن.. وتوفير على الدولة

بقلم: رئيس التحرير 

معالي وزير الدولة لشؤون الإسكان المهندس عبداللطيف حامد المشاري؛

اسمح لي أن أبدأ بسؤال مباشر، أرجو أن يجد لديك إجابة واضحة:

ما الذي ستستفيده الدولة من إخراج أكثر من 5000 مواطن كويتي، يمثلون 509 أسرة، من بيوتهم اعتباراً من الأول من سبتمبر 2026؟

هل ستحقق الدولة وفراً مالياً؟

أم ستسترد قيمة المشروع؟

أم ستخفض التزاماتها الإسكانية؟

أم أنها، على العكس تماماً، ستخلق أزمة جديدة، وتتحمل تكاليف أكبر، وتفتح باباً لمعاناة مئات الأسر الكويتية التي ظنت أن رحلة البحث عن السكن قد انتهت؟

لقد كتبنا خلال الأسابيع الماضية عدة مقالات عن هذه القضية، وخاطبنا سمو ولي العهد، وسمو رئيس مجلس الوزراء، ومعالي رئيس مجلس الوزراء بالإنابة والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، وكثيراً من المسؤولين، لأننا نؤمن أن هذه القضية تبحث عن حل يحقق مصلحة الدولة والمواطن معاً.

واليوم أضع بين يدي معاليكم مبادرة أعتقد أنها قد تكون من أفضل الحلول الممكنة؛

لقد بلغت تكلفة مشروع شرق تيماء نحو 47.2 مليون دينار كويتي، ويضم 509 بيوت، إضافة إلى الطرق، والبنية التحتية، ومحطات الكهرباء، والمواقف، والمباني العامة، والمسجد، والمحال التجارية، وكل الخدمات اللازمة.

وبعملية حسابية بسيطة، فإن متوسط تكلفة البيت الواحد، شاملاً جميع هذه المرافق، يقارب 93 ألف دينار.

وهنا يبرز السؤال المنطقي:

إذا كانت الدولة تريد استرداد قيمة المشروع، فلماذا لا تبيعه على سكانه الحاليين؟

إن هؤلاء لا يطلبون منحة جديدة، ولا بيتاً مجانياً، ولا قرضاً إضافياً، بل هم مستعدون لشراء البيوت التي يعيشون فيها إذا كان ذلك هو الحل الذي يحقق مصلحة الدولة.

فالدولة ستسترد تكلفة المشروع كاملة.

والمواطن سيستقر في بيته.

وينتهي هذا الملف نهائياً.

لكن إذا أصرت الدولة على الإخلاء، فماذا سيحدث بعد ذلك؟

الأغلب أن هذه الأسر ستدخل من جديد في رحلة البحث عن مساكن، وسيتجه كثير منهم إلى شراء بيوت أو استئجارها، وسيعود عدد كبير منهم إلى بنك الائتمان للحصول على القروض الإسكانية.

وبذلك قد تتحمل الدولة مئات الملايين من الدنانير في تمويلات جديدة، بينما كانت تمتلك حلاً قائماً بالفعل.

ويبرز هنا سؤال اقتصادي مشروع: 

من المستفيد من إخراج أكثر من 5000 مواطن كويتي من بيوتهم في وقت واحد؟

فمن الطبيعي أن يؤدي انتقال هذا العدد الكبير من الأسر إلى سوق البيع والإيجار إلى زيادة الطلب على المساكن، وهو ما قد ينعكس على أسعار الإيجارات والعقارات، ولا يقتصر أثره على هذه الأسر وحدها، بل يمتد إلى كل مواطن يبحث عن مسكن مناسب.

ولذلك فإن من حق الرأي العام أن يتساءل:

هل أُخذت هذه الآثار الاقتصادية والاجتماعية في الحسبان قبل اتخاذ قرار الإخلاء؟

وإذا كان بالإمكان الإبقاء على هذه الأسر في مساكنها، أو تمليكها البيوت، فلماذا نُدخل آلاف المواطنين إلى سوق يعاني أصلاً من ارتفاع الأسعار ومحدودية الخيارات؟

فأي الخيارين أوفر على المال العام؟

أن تسترد الدولة قيمة المشروع الآن من خلال بيعه على سكانه، أم أن تتحمل لاحقاً التزامات مالية أكبر بكثير؟

ثم إن الدولة اليوم لا تتحمل تكلفة هذه البيوت، بل تحقق منها إيراداً مستمراً، فهذه الأسر تدفع إيجاراتها بانتظام، وبذلك فإن الإخلاء لا يعني فقط خسارة المواطن لاستقراره، بل قد يعني أيضاً خسارة الدولة لمورد مالي قائم، مع تحملها في الوقت نفسه أعباء مالية جديدة كان بالإمكان تجنبها.

وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

إذا كانت الدولة لا ترغب في بيع هذه البيوت، وتريد الإبقاء عليها كمساكن للإيجار أو الانتفاع، أليس سكانها الحاليون أولى بها من غيرهم؟

فهم الذين عاشوا فيها سنوات طويلة.

وهم الذين أصلحوها.

وهم الذين أنفقوا عليها.

وهم الذين حولوا بيوتاً غير مكتملة إلى منازل صالحة للحياة.

فأي عدالة في أن يُخرج من تحمل كل هذه التكاليف، ليسكن مكانه شخص آخر سيدخل بيتاً جاهزاً؟

ولعل كثيراً من الناس لا يعلمون أن هذه البيوت لم تُسلَّم لأصحابها مكتملة.

لقد استلموها بلا أجهزة تكييف.

ولا مطابخ.

ولا خزائن.

ولا ديكورات.

ولا إنارة كافية.

ولا كثير من التجهيزات الأساسية.

بل حتى أسوار الأسطح احتاجت إلى استكمال.

واضطر السكان إلى تركيب أجهزة التكييف، وإنشاء المطابخ، وتنفيذ الديكورات، واستكمال الأعمال الكهربائية، وتحسين المرافق، حتى أصبحت هذه البيوت صالحة لسكن أسرهم.

وقد أنفق بعضهم 10 آلاف دينار.

وبعضهم 20 ألفاً.

ووصل إنفاق بعض الأسر إلى 30 و40 ألف دينار، وأكثر.

وكل ذلك من أموالهم الخاصة، أو من قروض ما زال كثير منهم يسددها حتى اليوم.

والأهم من ذلك أن الدولة نفسها عندما نفذت لاحقاً مشروع «من باع بيته» في مدينة صباح الأحمد، تداركت كثيراً من النواقص الموجودة في مشروع تيماء، فجاءت البيوت أكثر اكتمالاً، وهو ما يؤكد أن سكان المشروع الأول تحملوا أعباء إضافية لم يتحملها غيرهم.

ثم دعونا نتوقف عند حقيقة أخرى:

معظم سكان هذا المشروع اليوم تجاوزوا 60 عاماً.

وكثير منهم تجاوزوا 70 و75 عاماً.

وبعضهم تجاوز 80 عاماً.

وهل يُعقل أن يبدأ رجل في هذا العمر رحلة البحث عن منزل جديد؟

وهل من الإنصاف أن يخرج من بيت عاش فيه سنوات طويلة، وربى فيه أبناءه، ويستقبل فيه أحفاده، وأنفق عليه عمره وماله، ليبدأ من جديد؟

إنني أؤمن أن الدولة لا تريد الإضرار بمواطنيها، كما أنني أؤمن أن معالي الوزير يبحث عن أفضل الحلول، ولهذا فإنني أضع بين يديه هذه المبادرة بكل صدق.

بيع البيوت على سكانها الحاليين.

فإن لم يكن ذلك ممكناً في الوقت الراهن، فلتكن لهم الأولوية المطلقة في تملكها مستقبلاً.

وإن تعذر البيع، فلتبق عقودهم قائمة، لأنهم أولى بها من غيرهم.

فهذه ليست مطالبة بامتياز.

وليست مطالبة بإعفاء.

وليست مطالبة بمنحة.

إنها مبادرة تحقق للدولة أربعة مكاسب واضحة:

* استرداد تكلفة المشروع كاملة.

* تجنب تحمل مئات الملايين من الدنانير في التزامات إسكانية جديدة.

* إنهاء هذا الملف نهائياً دون نزاعات ومعاناة إنسانية.

* المحافظة على استقرار أكثر من 5000 مواطن كويتي.

وأختم بسؤال أرجو أن يصل إلى كل مسؤول:

إذا كان المواطن مستعداً لشراء البيت الذي يسكنه، والدولة ستسترد قيمة المشروع، وستوفر على نفسها أعباء مالية مستقبلية، وسيبقى أكثر من 5000 مواطن مستقرين في بيوتهم.. فما الذي يمنع تحويل هذا القرار من الإخلاء إلى التمليك؟

إنني ما زلت على ثقة بأن الحكمة قادرة على أن تجد طريقها إلى هذا الملف، وأن الكويت، التي عُرفت دائماً بإنصاف مواطنيها، ستختار الحل الذي يجمع بين العدالة، والرحمة، وحسن إدارة المال العام، لأن أعظم القرارات هي التي تحفظ استقرار الأسرة، وتصون كرامة المواطن، وتترك أثراً طيباً في القلوب.

زر الذهاب إلى الأعلى