مقالات وكتاب

رسالة إلى رئيس الوزراء.. من المسؤول عن هذه الحفرة؟!

بقلم: رئيس التحرير 

رسالة إلى سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله الأحمد الصباح،

وإلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف الصباح،

وإلى وزيرة الأشغال العامة الدكتورة نورة المشعان.

أضع أمام أنظاركم هذا الفيديو المتداول، لما يثيره من قضية تمس سلامة الناس على طرق الكويت، راجيًا أن يحظى بما يستحق من اهتمام ومتابعة، فسلامة الطريق تعني سلامة أرواح المواطنين والمقيمين وزوار الكويت.

ولا أعرف على وجه الدقة تاريخ تصوير هذا المقطع، ولذلك فإن أول ما أثاره في نفسي كان التساؤل: هل هذا الفيديو حديث؟ وهل ما زالت في طرقنا الخارجية حتى اليوم حفر بهذه الخطورة يمكن أن تعرض حياة الناس للخطر؟!

يقول صاحب السيارة إنه دخل الكويت قادمًا من المملكة العربية السعودية، وبعد نحو عشرة كيلومترات فقط فوجئ بحفرة بالطريق في الأسفلت تسببت في تلف إطار سيارته، ويذكر أن عدة سيارات أخرى تعرضت للضرر في المكان نفسه خلال دقائق.

وقد ينظر البعض إلى الأمر باعتباره إطار سيارة تضرر ويمكن استبداله، لكن القضية أكبر وأخطر بكثير.

فماذا لو انفجر الإطار وانحرفت السيارة؟

وماذا لو كانت تسير بسرعة الطريق المقررة؟

وماذا لو كان في داخلها أب وأم وأطفال؟

وكم من عائلة خرجت في رحلة فرح فتحولت رحلتها إلى حادث وألم وعزاء؟!

تخيلوا عائلة قادمة إلى الكويت لتفرح معنا وتشاركنا أعيادنا ومناسباتنا، أو لتزور أهلها وأحبابها وتقضي إجازتها لدينا؛ أطفال ينتظرون الوصول، وأب يقود مطمئنًا، وأم ترتب لأيام جميلة، ثم في ثوانٍ تنقلب الرحلة كلها بسبب حفرة في طريق!

وهنا نسأل: أين المسؤول؟

أين الإدارة المسؤولة في وزارة الأشغال؟ وأين مديرها؟ وأين المسؤول المباشر عن متابعة هذا الطريق؟

نحن لا نقول إن من الممكن منع كل خلل في كل شارع، فالطرق قد تتضرر لأسباب مختلفة، ولكن المسؤولية تبدأ منذ اللحظة التي يحدث فيها الخلل.

المطلوب أن يُكتشف سريعًا، وأن يُؤمَّن الموقع فورًا، وأن يُصلح قبل أن تتحول الحفرة إلى مصيدة للسيارات والأرواح.

وأين دوريات المرور ودوريات النجدة التي تجوب هذه الطرق يوميًا؟

أليس من الطبيعي أن يكون الإبلاغ عن أي حفرة أو جسم خطر أو تلف في الطريق جزءًا من مهام كل دورية تمر بالموقع، وأن تتم متابعة البلاغ حتى إزالة الخطر؟

وأين موظفو المنافذ الحدودية من جوازات وجمارك وغيرهم، ممن يسلكون هذه الطرق يوميًا؟

ألا ينبغي أن يكون كل موظف حكومي يرى خطرًا على الطريق عينًا للدولة، يبلغ عنه فورًا قبل أن يتسبب في حادث؟

المطلوب ليس أن نقول: «هذه مسؤولية الأشغال» وينتهي الأمر، سلامة الطريق مسؤولية دولة، ولكل جهة فيها دور.

والتقنية اليوم تجعل الأمر أسهل بكثير، لماذا لا توجد منصة موحدة وسريعة يستطيع من خلالها رجل المرور أو موظف الدولة أو المواطن تصوير الخلل وتحديد موقعه آليًا، فيتحول البلاغ فورًا إلى الجهة المسؤولة، ويحدد له زمن للاستجابة، ولا يُغلق إلا بعد إصلاح الموقع وتصويره من جديد؟

وقد اقترحنا منذ سنوات فكرة نعتقد أنها تستحق الدراسة: تقسيم الطرق الخارجية إلى قطاعات، كل قطاع يتكون من عشرة أو خمسة عشر أو عشرين كيلومترًا، وتحديد جهة مسؤولة عن كل قطاع بالاسم.

ويمكن إشراك القطاع الخاص في رعاية هذه الطرق وفق عقود واضحة؛ فتتولى الشركات الراعية الصيانة والنظافة والتشجير وتحسين المشهد البصري والمتابعة اليومية، مقابل حقوق استثمارية مدروسة، كالإعلانات ومحطات الوقود والاستراحات والبقالات والكافيهات والمطاعم وخدمات السيارات وغيرها من الخدمات التي يحتاج إليها المسافر.

وبذلك، عندما تقع المشكلة، لن نسأل:

من المسؤول عن هذا الجزء من الطريق؟ لأن المسؤول سيكون معروفًا مسبقًا، ومؤشرات أدائه معروفة، وزمن استجابته محسوبًا، ومحاسبته ممكنة.

واقترحنا أيضًا، ضمن دراسة سبق أن قدمناها إلى مجلس الوزراء، بتوزيع المزارع الصغرى، والاستفادة من الأراضي المحيطة بطرق الكويت الخارجية بإنشاء أحزمة زراعية عميقة، تبدأ بعد مسافة آمنة من الطريق بنحو 200 متر، ثم تمتد بعمق لا يقل عن كيلومتر كامل على جانبي الطريق، لتتحول هذه المساحات الصحراوية إلى نطاقات خضراء منتجة وممتدة.

وتُوزع الحيازات على الشباب الكويتيين المتقدمين للحصول على وظائف، بواقع 4 آلاف متر مربع للحيازة، وعلى المتقاعدين بواقع 10 آلاف متر مربع، على أن يحصل الشاب قبل استلام حيازته على دبلوم زراعي متخصص يؤهله لإدارة مشروعه والإنتاج بصورة علمية، وبذلك نفتح أمام جزء من طالبي الوظائف مسارًا جديدًا للعمل والإنتاج بدل انتظار الوظيفة الحكومية.

واقترحنا كذلك إنشاء وزارة للزراعة والأمن الغذائي تتولى قيادة هذا الملف وتوحيد مسؤولياته ووضع استراتيجية وطنية للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وإنشاء جامعة متخصصة في الزراعة والأمن الغذائي، تكون مركزًا للتعليم والبحث والتطوير والابتكار الزراعي، إلى جانب إمكانية إنشاء كلية مستقلة متخصصة تقدم برامج تطبيقية ودبلومات مرتبطة مباشرة باحتياجات هذه الحيازات والمشروعات الزراعية.

ويكتمل المشروع بتأسيس شركات زراعية ومصانع غذائية تحويلية مساهمة تشتري إنتاج هذه المزارع، وتقوم بفرزه وتصنيعه وتعبئته وتسويقه، بما يخلق سلسلة اقتصادية متكاملة، ويوفر فرص عمل منتجة للشباب، ويرفع الإنتاج المحلي، ويعزز الأمن الغذائي للكويت، وصولًا إلى تحقيق فائض قابل للتصدير في المنتجات التي تتناسب مع بيئتنا وتملك فيها الكويت جدوى اقتصادية.

وطريق السالمي وحده، إذا استُثمر جانباه بهذا التصور وبعمق كيلومتر كامل، يمكن أن يوفر أكثر من 25 ألف حيازة زراعية وفق تقديرات أولية، فضلًا عن تكوين حزام أخضر واسع يساعد، وفق الدراسات البيئية المناسبة، في الحد من زحف الرمال والأتربة على الطرق، ويحسن المشهد البصري لمداخل البلاد، فما بالكم إذا امتدت الفكرة إلى طرق العبدلي والصبية والمطلاع والشقايا وغيرها؟

لكننا نعود إلى أصل القضية التي أثارها هذا الفيديو: قبل أن نتحدث عن تخضير طرقنا وتطويرها وتجميلها، يجب أولًا أن نضمن سلامتها، وألا تبقى فيها حفرة واحدة يمكن أن تحوّل رحلة عائلة من فرح إلى مأساة.

نحتاج إلى غرفة رقابة ذكية للطرق تعمل على مدار الساعة، تستقبل بلاغات الدوريات والمواطنين، وتستفيد من الكاميرات والذكاء الاصطناعي وفرق التفتيش الميداني، بحيث ننتقل من انتظار شكوى المواطن إلى اكتشاف الخطر قبل وصوله إليه.

ونعلم أن وزارة الأشغال تقوم بأعمال واسعة لإصلاح وصيانة الطرق، ونقدّر كل جهد يُبذل، لكن أعمال الصيانة الشاملة لا تلغي مسؤولية المتابعة اليومية.

فالحفرة الخطرة لا تستطيع انتظار مشروع صيانة.

الحفرة تحتاج من يكتشفها اليوم، ويؤمّنها الآن، ويصلحها فورًا.

فالطريق ليس مجرد أسفلت وإنارة ولوحات.

الطريق أرواح.

وحين تكون حياة الناس في الميزان، يجب أن نعرف بدقة: من المسؤول عن كل كيلومتر من طرق الكويت؟ ومن يراقبه؟ ومن يحاسبه إذا قصّر؟

لأن حفرة صغيرة في الأسفلت قد لا تكلف الدولة كثيرًا لإصلاحها، لكنها إن تُركت قد تكلف أسرة حياة إنسان لا يمكن تعويضه.

زر الذهاب إلى الأعلى