ثلاثة مطارات دولية للكويت: رؤية استراتيجية لتحويل الدولة إلى مركز عالمي للنقل والتجارة والخدمات اللوجستية

بقلم: رئيس التحرير
حين نتأمل تاريخ الكويت ندرك أنها لم تكن مجرد رقعة جغرافية صغيرة على ساحل الخليج العربي، بل كانت محطة تجارية محورية تربط بين الهند وشرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام، فقد عرف أهل الكويت البحر والتجارة والملاحة، وأسهموا في نقل البضائع والأفكار والثقافات، حتى أصبحت الكويت في مراحل كثيرة من تاريخها أحد أهم الموانئ التجارية في المنطقة.
واليوم، ومع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في مجالات النقل والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، تملك الكويت فرصة تاريخية لاستعادة هذا الدور، ولكن بأدوات العصر الحديث، وإذا كان مشروع مدينة الحرير يمثل حلمًا طموحًا لبناء مركز اقتصادي عالمي في شمال البلاد، فإن تطوير شبكة وطنية متكاملة من المطارات يمكن أن يكون المكمل الطبيعي لهذا المشروع، بحيث لا تصبح لدينا «مدينة حرير» فحسب، بل تتحول الكويت بأكملها إلى «دولة الحرير» التي تربط الشرق بالغرب وتعيد إحياء رسالتها التاريخية كممر تجاري ولوجستي عالمي.
في الوقت الراهن تتركز معظم الحركة الجوية في مطار الكويت الدولي، مهما تعددت مبانيه ومرافقه، ومن الناحية العملية يبقى ذلك مطارًا واحدًا في موقع واحد، وهذا النموذج، على الرغم من أهميته، لا ينسجم بالضرورة مع طموحات دولة تسعى إلى تنويع اقتصادها وتعزيز جاهزيتها المستقبلية، فالاعتماد على مركز جوي وحيد يضع ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية، ويجعل الحركة الجوية أكثر عرضة للتأثر بأي ظرف تشغيلي أو أمني أو فني.
ومن هنا تبرز فكرة إنشاء مطارين دوليين إضافيين: أحدهما في منطقة السالمي أو المطلاع في شمال غرب البلاد، والآخر في منطقة الوفرة في الجنوب، ليشكلا مع المطار الحالي منظومة متكاملة من ثلاثة مطارات رئيسية تخدم مختلف مناطق الكويت وتوزع الحركة الجوية بشكل أكثر كفاءة ومرونة.
المطار المقترح في السالمي يتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، لقربه من المناطق الشمالية ومن مدينة الحرير وميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان، ويمكن أن يخدم شركات الطيران الاقتصادي، وعلى رأسها طيران الجزيرة، إضافة إلى رحلات الشحن الجوي، والحج والعمرة، والرحلات الإقليمية منخفضة التكلفة، كما سيشكل رافعة تنموية لمحافظة الجهراء، والمناطق العمرانية الجديدة مثل المطلاع وجنوب سعد العبدالله، وكذلك المحافظات الجديدة التي اقترحناها.
أما مطار الوفرة، فسيخدم جنوب الكويت والمشروعات الاقتصادية والزراعية والصناعية القائمة والمستقبلية، ويمكن أن يتحول إلى منصة مهمة للشحن والتصدير، وإلى بوابة جوية تدعم التنمية في تلك المنطقة الواعدة.
ومن الأفكار العملية التي تستحق الإشارة أن شركات الطيران الكويتية اكتسبت خبرة مهمة خلال الفترات التي تعطلت فيها حركة الطيران في مطار الكويت الدولي نتيجة الظروف الإقليمية والتوترات العسكرية، إذ لجأت بعض الشركات إلى تشغيل رحلاتها عبر مطارات في المملكة العربية السعودية مثل مطار الدمام ومطار القيصومة، مع تنظيم نقل المسافرين بالحافلات من الكويت إلى تلك المطارات والعكس، وقد أثبت هذا النموذج أن المسافر الكويتي يتقبل هذا الحل متى ما توفرت له خدمة نقل مريحة ومنظمة ومواعيد واضحة، ومن ثم فإن إنشاء مطاري السالمي والوفرة لن يشكل عبئًا على المسافر، بل يمكن لشركات الطيران أن توفر خدمات نقل منتظمة بسيارات وحافلات حديثة تنطلق من نقاط محددة داخل الكويت (المنازل أو الفنادق) إلى المطارين الجديدين، بحيث تبدأ رحلة المسافر فعليًا من أقرب نقطة خدمة إلى مقر سكنه، وبهذا الأسلوب تتحول عملية الانتقال إلى جزء متكامل من تجربة السفر، كما هو معمول به في كثير من دول العالم التي تخدم مطاراتها البعيدة عن مراكز المدن عبر شبكات نقل احترافية ومنظمة.
وجود ثلاثة مطارات دولية لا يقتصر أثره على تسهيل السفر، بل يعزز الأمن الوطني والمرونة التشغيلية للدولة، ففي أوقات الطوارئ أو الصيانة أو الظروف الاستثنائية، تضمن تعددية المطارات استمرار حركة النقل الجوي دون انقطاع، كما يحدث في العديد من الدول المتقدمة.
وتؤكد التجارب العالمية نجاح هذا النموذج، ففي لندن تعمل عدة مطارات دولية متكاملة، وفي دبي يوجد مطارا دبي وآل مكتوم، بينما تمتلك المملكة العربية السعودية شبكة واسعة من المطارات التي تُدار ضمن منظومة مؤسسية حديثة تدعم مستهدفات التنمية الوطنية.
ومن الأفكار الجديرة بالدراسة تأسيس شركة وطنية متخصصة، يمكن أن تحمل اسم «شركة المطارات الكويتية»، تتولى تطوير وإدارة وتشغيل المطارات وفق أسس تجارية ومهنية حديثة، ويمكن أن تُطرح هذه الشركة كشركة مساهمة عامة، بحيث تستفيد الدولة والمواطنون معًا من عوائد هذا القطاع الحيوي، وكذلك التجار والشركات المتخصصة، على غرار النماذج الناجحة في المنطقة، مع الاحتفاظ بالرقابة والسيادة الكاملة للدولة على الأصول الاستراتيجية.
كما يمكن تمويل إنشاء المطارات الجديدة من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) أو نموذج البناء والتشغيل والتحويل (BOT)، بحيث تتحمل الجهات الاستثمارية تكاليف التطوير والتشغيل وفق ضوابط دقيقة، دون تحميل الميزانية العامة أعباء كبيرة.
وفي الوقت ذاته، ينبغي النظر إلى المطار الحالي باعتباره مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا، لا مجرد محطة سفر، فالمطارات الحديثة في العالم أصبحت وجهات قائمة بذاتها تضم فنادق عالمية، ومراكز مؤتمرات، ومجمعات تجارية، ومناطق ترفيهية، وحدائق، ومراكز صيانة وتدريب، ومناطق حرة، ويمكن لـ مطار الكويت الدولي أن يتطور في هذا الاتجاه ليصبح أحد أهم المحركات الاقتصادية للدولة.
كما أن كل مطار جديد يمكن أن يشكل نواة لمدينة اقتصادية متخصصة، تشمل مناطق لوجستية وصناعية وتجارية وسكنية، بما يخلق آلاف فرص العمل للمواطنين، ويحفز الاستثمار المحلي والأجنبي، ويرفع مساهمة قطاع الطيران والخدمات في الناتج المحلي الإجمالي.
وتزداد أهمية هذا التصور في ضوء الموقع الجغرافي المتميز للكويت، الذي يضعها في نقطة اتصال طبيعية بين أسواق الخليج والعراق وإيران وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية والشام وأوروبا، وإذا أحسنت الدولة استثمار هذا الموقع عبر شبكة متكاملة من الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات، فإن الكويت تستطيع أن تستعيد مكانتها التاريخية بوصفها مركزًا للتجارة والخدمات في المنطقة.
إن التخطيط الاستراتيجي الحقيقي لا ينظر إلى ما هو قائم اليوم فقط، بل إلى ما يمكن أن تكون عليه الدولة بعد خمسين أو مئة عام، وما يبدو اليوم منطقة صحراوية خالية قد يصبح غدًا مركزًا عمرانيًا واقتصاديًا مزدهرًا، كما حدث في مناطق عديدة داخل الكويت وخارجها.
ومن هنا، فإن إنشاء مطاري السالمي والوفرة، وتطوير المطار الحالي، وتأسيس شركة المطارات الكويتية، وربط هذه المشروعات برؤية مدينة الحرير، يمثل مشروعًا وطنيًا متكاملًا يعيد صياغة دور الكويت الاقتصادي في المنطقة والعالم.
لقد كانت الكويت في الماضي محطة عبور للتجارة البحرية، ويمكنها اليوم أن تصبح مركزًا عالميًا للنقل الجوي والخدمات اللوجستية. وعندما تتكامل الموانئ والمطارات والطرق والمناطق الاقتصادية، فإن الكويت لن تكون مجرد دولة تمتلك مدينة حرير، بل ستصبح بحق «دولة الحرير»؛ دولة صغيرة في مساحتها، كبيرة في رؤيتها، ومؤثرة في دورها، وقادرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر دائم للقوة والازدهار للأجيال القادمة.