الكويت واستحقاقات المستقبل.. من استشراف الغد إلى صناعته

بقلم: رئيس التحرير
قرأت باهتمام كبير مقال الأخت الغالية الدكتورة موضي عبدالعزيز الحمود، المنشور في جريدة «القبس» تحت عنوان «الوطن واستحقاقات المستقبل»، وتوقفت أمام الدعوة المهمة التي تضمنها إلى تعزيز أجهزة الدولة المعنية باستطلاعات الرأي واستشراف المستقبل، والاستفادة من الدراسات العلمية في تحديد الأولويات الحكومية ومتطلبات التنمية والبناء.
وأعتقد أن أهمية ما طرحته الدكتورة موضي تتجاوز مسألة إنشاء مركز جديد أو تطوير مركز قائم؛ لأنها تفتح الباب أمام قضية أوسع تتعلق بكيفية إدارة الدولة لمستقبلها، ومدى امتلاكها منظومة مؤسسية لا تكتفي بالتعامل مع متطلبات الحاضر، وإنما تدرس التحولات التي يمكن أن تواجه الكويت خلال السنوات والعقود المقبلة، وتضع أمام صانع القرار السيناريوهات والبدائل قبل وقوع الأزمات، وترصد في الوقت نفسه الفرص التي ينبغي الاستعداد لاستثمارها.
فمن يدرس اليوم شكل الكويت بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة؟
ومن يدرس مستقبل النفط ومصادر الدخل، والتحولات الديموغرافية، والأمن الغذائي والمائي والدوائي، ومستقبل التعليم والوظائف، وتأثير الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، والتغيرات التي يمكن أن تطرأ على الاقتصاد العالمي؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تبدأ الدولة في طرحها عندما تتحول إلى مشكلات قائمة، وإنما قبل ذلك بسنوات.
إن الدول لا تستطيع منع جميع الأزمات، كما لا تستطيع التنبؤ الدقيق بكل ما سيحدث، لكنها تستطيع بناء قدرة مؤسسية تجعلها أكثر استعدادًا للمفاجآت، وأقدر على اكتشاف المخاطر والفرص في مراحلها المبكرة.
وهذا هو جوهر «الاستشراف الاستراتيجي»؛ فهو لا يقوم على التنبؤ بالمستقبل باعتباره مسارًا واحدًا حتميًا، وإنما على دراسة المستقبلات الممكنة، وتحليل الاتجاهات والمتغيرات، وبناء السيناريوهات، وتقدير المخاطر والفرص، ثم استخدام هذه المعرفة في تحسين القرارات التي تتخذها الدولة اليوم.
الإمارات.. الاستشراف جزء من التخطيط الحكومي
تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا خليجيًا مهمًا في إدخال استشراف المستقبل إلى منظومة العمل الحكومي.
فقد أطلقت الحكومة الإماراتية «استراتيجية الإمارات لاستشراف المستقبل»، بهدف استشراف مستقبل القطاعات الحيوية، ووضع الأنظمة الحكومية بما يتناسب مع المتغيرات المستقبلية، وبناء القدرات الوطنية في مجال الاستشراف، والاستفادة من السيناريوهات المستقبلية في تطوير السياسات العامة.
والأهم أن الاستشراف لم يبق نشاطًا بحثيًا منفصلًا عن التخطيط، وإنما أصبح جزءًا من التفكير الحكومي طويل الأجل، وارتبط برؤى ممتدة زمنيًا، من أبرزها «مئوية الإمارات 2071».
كما أدخلت الإمارات مفهوم المستقبل إلى المستوى الوزاري من خلال حقيبة «وزير دولة للتطوير الحكومي والمستقبل»، بما يعكس توجهًا مؤسسيًا يجعل الاستعداد للمستقبل مسؤولية حكومية واضحة، وليس مجرد نشاط تقوم به المراكز البحثية.
وتستحق هذه التجربة الدراسة، ليس بهدف استنساخها، وإنما لفهم الطريقة التي يمكن بها نقل الاستشراف من دائرة الدراسات إلى صميم صناعة السياسات والقرار.
السعودية.. استطلاع المجتمع أحد مدخلات القرار
وفي المملكة العربية السعودية نجد اهتمامًا متناميًا بقياس اتجاهات المجتمع والاستفادة من البيانات والدراسات في فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
ومن النماذج في هذا المجال «المركز السعودي لاستطلاعات الرأي»، وهو مركز مستقل غير ربحي تأسس في الرياض عام 2016، ويذكر المركز أنه نفذ أكثر من 320 استطلاعًا في عدد من المجالات الاجتماعية والاقتصادية.
وتكمن أهمية استطلاعات الرأي العلمية في أنها تمثل أحد المدخلات المهمة لصناعة السياسات العامة.
فالبيانات الاقتصادية والإحصاءات الرسمية تصف جانبًا من الواقع، بينما تساعد استطلاعات الرأي في معرفة اتجاهات المجتمع وأولوياته ومستويات رضاه ومخاوفه وتوقعاته.
والدولة التي تخطط لعقود مقبلة تحتاج إلى الجمع بين الأمرين: فهم الواقع من خلال البيانات، وفهم المجتمع من خلال القياس العلمي لاتجاهاته.
قطر.. مركز لاستشراف المستقبل والرؤى الوطنية
وفي دولة قطر نجد نموذجًا مؤسسيًا واضحًا يتمثل في «مركز استشراف المستقبل والرؤى الوطنية» ضمن المجلس الوطني للتخطيط.
وقد نظم المجلس في فبراير 2026 برنامجًا تنفيذيًا للقيادات الحكومية حول الاستشراف الاستراتيجي باعتباره أداة لاتخاذ القرار في بيئات عدم اليقين، بما يعكس ارتباط الاستشراف بالتخطيط الوطني وصناعة السياسات.
وتبرز أهمية النموذج القطري في وضع وظيفة الاستشراف بالقرب من المؤسسة المسؤولة عن التخطيط الوطني، بحيث ترتبط دراسة المستقبل بالأهداف والسياسات والأولويات بعيدة المدى.
وتبرز أهمية هذا الارتباط في أن الاستشراف يحقق غايته حين تتحول مخرجاته إلى مدخلات فعلية في التخطيط وصياغة السياسات العامة واتخاذ القرار، بما يساعد الدولة على الاستعداد المبكر للتحولات المستقبلية والتعامل معها على أسس علمية..
سنغافورة.. مركز المستقبل في قلب الحكومة
ومن أبرز التجارب العالمية في هذا المجال تجربة سنغافورة.
فقد بدأت الحكومة السنغافورية العمل المنظم في مجال التفكير المستقبلي منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ثم أنشأت عام 1995 مكتبًا لتخطيط السيناريوهات، وفي عام 2009 تأسس «مركز المستقبل الاستراتيجي» Centre for Strategic Futures.
ويعمل المركز ضمن مجموعة الاستراتيجية في مكتب رئيس الوزراء، ويسهم في دراسة التحديات الاستراتيجية الناشئة، والاتجاهات بعيدة المدى، والتحولات والمفاجآت المحتملة، وبناء قدرات الجهاز الحكومي على الاستشراف والاستعداد للمخاطر.
ويقدم النموذج السنغافوري درسًا مؤسسيًا مهمًا:
كلما كانت الجهة المسؤولة عن استشراف المستقبل قريبة من مركز صناعة القرار، زادت قدرتها على تحويل المعرفة المستقبلية إلى سياسات عامة.
فالغاية ليست إنتاج الدراسات في حد ذاتها، وإنما إيصال نتائجها إلى صانع القرار في الوقت الذي يستطيع فيه التحرك قبل أن تتحول الإشارات المبكرة إلى أزمات قائمة.
فنلندا.. «تقرير الحكومة عن المستقبل»
وتقدم فنلندا تجربة شديدة الأهمية؛ لأنها جعلت التفكير في المستقبل جزءًا من العلاقة المؤسسية بين الحكومة والبرلمان.
فمنذ عام 1993 تقدم الحكومة الفنلندية في كل دورة انتخابية إلى البرلمان وثيقة رسمية تحمل اسم:
Government Report on the Future
«تقرير الحكومة عن المستقبل»
ويهدف التقرير إلى تحديد القضايا التي يتوقع أن تكون مهمة لصناعة القرار في المستقبل، وبناء فهم مشترك للاتجاهات والتحولات التي يمكن أن تواجه الدولة.
وفي الجزء الأول من التقرير الذي قدم إلى البرلمان في سبتمبر 2025، امتد تحليل السيناريوهات عشرين عامًا إلى الأمام حتى عام 2045، وشمل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والبيئية والتشريعية، مع تحديد المخاطر والفرص وسبل الاستعداد للسيناريوهات المختلفة.
والفكرة هنا ليست محاولة معرفة ما سيحدث عام 2045 على وجه اليقين، وإنما الإجابة عن سؤال أكثر أهمية:
إذا تحقق أحد هذه السيناريوهات، فهل ستكون الدولة مستعدة له؟
كما توجد في البرلمان الفنلندي «لجنة المستقبل»، وهو ما يجعل النظر إلى القضايا طويلة المدى جزءًا من العمل البرلماني نفسه، وليس وظيفة تنفيذية أو بحثية فقط.
ويلز.. الأجيال القادمة طرف في القرار
وتقدم ويلز نموذجًا مختلفًا يستحق التأمل، فقد صدر فيها عام 2015 «قانون رفاهية الأجيال القادمة»، الذي أسس إطارًا مؤسسيًا يهدف إلى تعزيز مراعاة الآثار طويلة الأجل للقرارات العامة، وأنشأ منصب «مفوض الأجيال القادمة».
وتصدر عن المفوضية تقارير تتعلق بمستقبل الأجيال القادمة، ومن بينها تقرير عام 2025، الذي تضمن تقييمًا للتقدم وتوصيات مرتبطة بالتحديات طويلة الأجل، وقدمت حكومة ويلز ردودًا رسمية على التوصيات الموجهة إليها.
وتقوم هذه التجربة على مبدأ بالغ الأهمية في السياسة العامة:
أن القرارات التي تتخذها الحكومة اليوم قد تستمر آثارها لعقود، ولذلك لا ينبغي تقييم القرار فقط بما يحققه للجيل الحالي، وإنما بما يتركه كذلك للأجيال القادمة.
أي أن السؤال لا ينبني فقط على ماذا سيحقق القرار اليوم؟ بل أيضًا: ما أثره في المواطن الذي سيعيش في هذه الدولة بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟
والكويت ليست نقطة الصفر
ومن الإنصاف، ونحن ندعو إلى تطوير منظومة استشراف المستقبل في الكويت، ألا نتجاهل المؤسسات القائمة بالفعل.
فلدى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية «مركز الكويت للسياسات العامة»، الذي يعمل بوصفه منصة للتفكير الاستراتيجي في مجال تحليل وصياغة السياسات العامة المرتبطة بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية للتخطيط التنموي، وتقديم المشورة الفنية لصناع القرار واستشراف الاتجاهات المستقبلية.
كما يوجد «المرصد الوطني للتنمية المستدامة واستشراف المستقبل»، الذي أنشئ ضمن منظومة الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، وتشمل اختصاصاته رصد المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والاستشراف المستقبلي، وتحليل المخاطر، وتطوير أدوات التنبؤ التنموي.
إذن، الكويت لا تبدأ من الصفر، وهذه نقطة مهمة ينبغي تأكيدها، لكن وجود مؤسسات تعمل في هذا المجال لا يعني أن البنية المؤسسية وصلت إلى صورتها المثلى.
والسؤال الذي ينبغي طرحه هو:
كيف نطور الموجود؟ وكيف نوحد الجهود المتفرقة؟ وكيف نربط مخرجات الاستشراف بصورة أكثر فاعلية بمركز صناعة القرار؟ وكيف نحول الدراسات والسيناريوهات إلى سياسات ومؤشرات وبرامج تنفيذية يمكن قياس نتائجها؟
استشراف المستقبل ليس بديلًا عن برنامج عمل الحكومة
وقبل الانتقال من تشخيص الواقع المؤسسي القائم إلى اقتراح تطويره، من الضروري التمييز بين استشراف المستقبل والرؤية الوطنية وبرنامج عمل الحكومة؛ فهذه الأدوات تتكامل، لكنها تختلف من حيث الوظيفة والأفق الزمني وطبيعة المخرجات.
فاستشراف المستقبل يدرس الاتجاهات والتحولات بعيدة المدى، ويرصد المخاطر والفرص، ويبني السيناريوهات المحتملة لما يمكن أن تواجهه الدولة خلال السنوات والعقود المقبلة.
أما الرؤية الوطنية فتحدد الصورة المستقبلية التي تطمح الدولة إلى الوصول إليها، في حين يترجم برنامج عمل الحكومة تلك التوجهات إلى سياسات ومشروعات وإجراءات وأولويات قابلة للتنفيذ والقياس خلال فترة زمنية محددة.
ويمكن اختصار العلاقة بينها في تسلسل مؤسسي واضح:
نستشرف المستقبلات الممكنة، ثم نحدد المستقبل الذي نريده، ثم نضع السياسات والبرامج التي تقودنا إليه، ثم نقيس نتائج التنفيذ ونراجع المسار.
وفي الكويت اكتسب برنامج عمل الحكومة أهمية دستورية خاصة؛ إذ نصت المادة (98) من الدستور على أن:
«تتقدم كل وزارة فور تشكيلها ببرنامجها إلى مجلس الأمة، وللمجلس أن يبدي ما يراه من ملاحظات بصدد هذا البرنامج».
وفي ظل غياب مجلس الأمة في المرحلة الراهنة، تزداد أهمية أن يكون برنامج عمل الحكومة واضحًا ومعلنًا ومتاحًا للرأي العام؛ فالمواطن من حقه أن يعرف إلى أين تتجه حكومته، وما أولوياتها، وما المشروعات التي التزمت بتنفيذها، وما الجداول الزمنية المحددة لها، وكيف ستقاس نتائجها.
وإذا كان برنامج الحكومة يعرض في الظروف الدستورية المعتادة على مجلس الأمة وفق المادة (98) من الدستور، فإن غياب المجلس اليوم يجعل من الأهمية بمكان أن تتجه الحكومة مباشرة إلى المجتمع، فتنشر برنامجها كاملًا، وتعرض أهدافه ومؤشرات قياسه ومراحل تنفيذه للرأي العام.
فإذا غاب مجلس الأمة، فلا ينبغي أن يغيب برنامج الحكومة عن الأمة.
وغياب المنبر البرلماني في هذه المرحلة لا ينبغي أن يؤدي إلى غياب النقاش العام حول برنامج الحكومة، بل يحمّلها مسؤولية أكبر في ترسيخ الشفافية وإطلاع المواطنين بصورة دورية على ما تعهدت به، وما أنجزته، وما تعثر، وأسباب ذلك.
ومع ذلك، يظل برنامج عمل الحكومة مختلفًا عن استشراف المستقبل؛ فالبرنامج يتعلق بما تعتزم حكومة قائمة إنجازه خلال فترة عملها، بينما يمتد الاستشراف إلى أفق قد يبلغ عشرين أو ثلاثين عامًا، ويتجاوز بطبيعته عمر حكومة واحدة.
ومن هنا تأتي أهمية بناء قدرة وطنية دائمة لاستشراف المستقبل، تحفظ للدولة استمرارية التفكير الاستراتيجي رغم تغير الحكومات والمسؤولين، وتوفر للحكومات المتعاقبة قاعدة معرفية وسيناريوهات بعيدة المدى تستفيد منها عند إعداد برامجها وخططها.
وبذلك لا يكون استشراف المستقبل منافسًا لبرنامج عمل الحكومة أو بديلًا عنه، وإنما أحد روافده العلمية الأساسية:
فالاستشراف يحدد ما قد نواجهه، والرؤية تحدد أين نريد أن نصل، وبرنامج الحكومة يحدد ماذا سنفعل، ومؤشرات الأداء تخبرنا بما تحقق بالفعل.
وإذا كان استشراف المستقبل وظيفة مستمرة للدولة تتجاوز عمر الحكومات وبرامجها، فإن فاعليته تقتضي إطارًا مؤسسيًا يضمن استمراره، ويمنحه القدرة على تحويل الدراسات والسيناريوهات المستقبلية إلى معرفة استراتيجية تصل مباشرة إلى أعلى مستويات صناعة القرار، وتصبح جزءًا من عملية التخطيط وصياغة السياسات العامة.
هل تحتاج الكويت إلى وزير دولة للمستقبل؟
هنا أطرح، بناء على ما أثارته الدكتورة موضي الحمود، فكرة تستحق الدراسة والنقاش:
لماذا لا تدرس الكويت استحداث حقيبة «وزير دولة للمستقبل واستشراف السياسات»؟
ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء وزارة بيروقراطية جديدة، أو مبنى جديد، أو جهاز إداري ضخم يضاف إلى أجهزة الدولة.
بل يمكن أن يكون النموذج الأنسب جهازًا صغيرًا عالي الكفاءة يرتبط مباشرة بمجلس الوزراء، ويعمل على تنسيق وتطوير القدرات والمؤسسات القائمة بدل تكرارها.
ويضم خبرات متخصصة في الاقتصاد، والإحصاء، والسياسات العامة، والتعليم، والطاقة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والديموغرافيا، والأمن الغذائي والمائي والدوائي، والمخاطر الاستراتيجية.
وتكون مهمته الأساسية النظر إلى الملفات التي تتجاوز الأفق التشغيلي اليومي للوزارات.
فالوزارات بطبيعتها منشغلة بإدارة الحاضر: المدارس الحالية، والمستشفيات الحالية، والإسكان، والطرق، والخدمات، والموازنة السنوية.
لكن من ينشغل بصورة مؤسسية دائمة بالكويت بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟
وهنا يمكن تلخيص وظيفة وزير المستقبل في عبارة واضحة:
أن ينشغل بما ستكون عليه الكويت غدًا، بينما تنشغل الوزارات بإدارة الكويت اليوم.
«تقرير مستقبل الكويت»
وأضيف إلى الفكرة التي طرحتها الدكتورة موضي اقتراحًا أراه من أهم الأدوات التي يمكن أن تنقل استشراف المستقبل من الإطار النظري إلى ممارسة مؤسسية قابلة للقياس:
أن تصدر الدولة بصورة دورية وثيقة رسمية وطنية تحمل اسم:
«تقرير مستقبل الكويت»
وأن ينشر التقرير كاملًا للرأي العام في موعد ثابت.
ولا ينبغي أن يكون تقريرًا إنشائيًا أو وثيقة علاقات عامة، وإنما تقريرًا علميًا يعتمد على البيانات والإحصاءات والنماذج والدراسات واستطلاعات الرأي وتحليل الاتجاهات وبناء السيناريوهات.
ويجيب عن أسئلة أساسية:
أين تقف الكويت اليوم؟
إلى أين تتجه المؤشرات الحالية؟
ما أهم الفرص التي يمكن أن تستفيد منها؟
ما أبرز المخاطر التي يمكن أن تواجهها؟
وما السيناريوهات المحتملة خلال خمس وعشر وخمس وعشرين سنة؟
ملفات المستقبل
يمكن أن يتضمن «تقرير مستقبل الكويت» مجموعة ثابتة من الملفات الوطنية الكبرى، في مقدمتها السكان والتركيبة السكانية، والتعليم والجامعات، والوظائف وسوق العمل، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والاقتصاد وما بعد النفط، والمالية العامة، والاستثمارات، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الدوائي، والطاقة، والصحة، والإسكان، والبنية التحتية، والبيئة والمناخ، والأمن الوطني، والتحولات الجيوسياسية والإقليمية.
وفي كل ملف لا يقدم التقرير توقعًا واحدًا باعتباره المستقبل المؤكد، وإنما يبني عددًا من السيناريوهات، مثل:
سيناريو متفائل، وسيناريو مرجح، وسيناريو للمخاطر.
ثم يحدد الإجراءات التي ينبغي البدء بها منذ اليوم حتى تكون الدولة مستعدة لكل مسار محتمل.
«ماذا لو؟»
ويمكن أن يتضمن التقرير فصلًا ثابتًا بعنوان:
«ماذا لو؟»
ماذا لو تعرضت سلاسل الإمداد العالمية لتعطل طويل؟
ماذا لو حدث نقص عالمي في سلعة غذائية أساسية؟
ماذا لو تعطلت إمدادات دوائية حيوية؟
ماذا لو شهدت أسواق النفط تحولًا جوهريًا؟
ماذا لو أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل عشرات الآلاف من الوظائف؟
ماذا لو تعرضت المنطقة لأزمة ممتدة؟
ماذا لو تعطلت بنية رقمية حيوية؟
وماذا لو وقعت مجموعة من هذه الأزمات في وقت واحد؟
ولا تكمن القيمة العلمية لهذه الأسئلة في الادعاء بإمكانية توقع الأزمة المقبلة بدقة، وإنما في اختبار قدرة الدولة على التعامل مع سيناريوهات متعددة قبل أن تضطر إلى مواجهتها في الواقع.
ماذا أنجزنا منذ التقرير السابق؟
لكن إصدار التقرير وحده لا يكفي، ولذلك ينبغي أن يبدأ كل إصدار جديد بفصل ثابت يحمل عنوان:
«ماذا أنجزنا منذ تقرير مستقبل الكويت السابق؟»
ما التوصيات التي نُفذت؟
وما التوصيات التي لم تنفذ؟
وما أسباب التأخير؟
ومن الجهة المسؤولة؟
وما المؤشرات التي تحسنت؟
وما المؤشرات التي تراجعت؟
وهنا يتحول استشراف المستقبل من دراسة نظرية إلى أداة للمتابعة والقياس والمساءلة.
ويمكن كذلك أن تلتزم الجهات الحكومية المعنية بالرد على التوصيات الرئيسية للتقرير، وتحديد ما ستتبناه منها، وما لن تتبناه، وأسباب ذلك، على أن تنشر هذه الردود للرأي العام.
وبذلك يصبح التقرير جزءًا من دورة مستمرة تبدأ بالاستشراف، ثم تنتقل إلى القرار والتنفيذ، وتنتهي بالقياس والمراجعة، قبل أن تبدأ دورة جديدة.
المواطن شريك في صناعة المستقبل
وهنا نعود إلى إحدى النقاط الأساسية في مقال الدكتورة موضي الحمود، وهي أهمية استطلاعات الرأي.
فلا ينبغي أن يجري التخطيط لمستقبل الكويت بعيدًا عن أهل الكويت.
ويمكن أن يصاحب «تقرير مستقبل الكويت» استطلاع وطني سنوي واسع يقيس اتجاهات المواطنين وأولوياتهم ومخاوفهم وتطلعاتهم.
ويمكن أن يتضمن أسئلة حول رؤيتهم للكويت بعد عشرين عامًا، ومستقبل التعليم والعمل، ونوعية الخدمات، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يتوقعونها.
وينبغي إعطاء الشباب مساحة خاصة في هذه الاستطلاعات، لأنهم الجيل الذي سيعيش الجزء الأكبر من التحولات التي تحاول الدولة استشرافها اليوم.
فالبيانات الاقتصادية والإحصائية تخبرنا بجزء من الواقع، بينما تساعد اتجاهات المواطنين وتوقعاتهم في فهم جانب آخر لا يقل أهمية في عملية صنع السياسات.
مجلس شباب المستقبل
ويمكن استكمال هذه المنظومة بإنشاء «مجلس شباب المستقبل»، يضم بصورة دورية مجموعة متجددة من الشباب الكويتيين من تخصصات وخلفيات علمية ومهنية مختلفة، يطلعون على السيناريوهات المستقبلية ويناقشونها ويقدمون رؤيتهم وتوصياتهم.
ولا يكون المجلس بديلًا عن المؤسسات الدستورية أو الجهات الحكومية، وإنما قناة استشارية تتيح للجيل الذي سيعيش مستقبل الكويت أن يكون حاضرًا في النقاش حوله.
فمن الصعب تصور تخطيط جاد للكويت عام 2050 دون الاستماع إلى الجيل الذي سيعيش معظم حياته في تلك الكويت.
من إدارة الأزمات إلى استباقها
إن أحد أهم الدروس التي تقدمها الأزمات للدول هو أن الاستعداد لا يبدأ عند وقوع الأزمة.
فالأمن الغذائي لا يبدأ عندما ينقص الغذاء.
والأمن الدوائي لا يبدأ عندما ينقص الدواء.
والأمن المائي لا يبدأ عند حدوث أزمة في الإمدادات.
والتنويع الاقتصادي لا يبدأ عندما تتراجع الإيرادات النفطية.
وإصلاح التعليم لا يبدأ عندما نكتشف أن مخرجاته لم تعد متوافقة مع احتياجات الاقتصاد.
والاستعداد للذكاء الاصطناعي لا يبدأ عندما تختفي الوظائف أو تتغير.
وإدارة المخاطر الإقليمية لا تبدأ عندما تصل تداعيات الأزمة إلى الداخل.
الدولة المستعدة هي التي تلتقط الإشارات المبكرة، وتدرس الاتجاهات، وتبني السيناريوهات، وتختبر خططها، وتحدد البدائل قبل الحاجة إليها.
وهذا هو الانتقال المطلوب من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى بناء القدرة على استباقها والاستعداد لها.
المستقبل مسؤولية دولة
إن ما طرحته الأخت الغالية الدكتورة موضي الحمود يستحق، في تقديري، أن يتجاوز حدود المقال إلى نقاش وطني أوسع حول بناء قدرة الكويت المؤسسية على استشراف مستقبلها.
ولدينا تجارب دولية متعددة يمكن الاستفادة منها دون استنساخ أي منها.
من الإمارات نتعلم إدخال المستقبل إلى صميم التخطيط الحكومي.
ومن قطر نتعلم ربط الاستشراف بالتخطيط والرؤى الوطنية.
ومن سنغافورة نتعلم أهمية وضع القدرة الاستشرافية بالقرب من مركز صناعة القرار.
ومن فنلندا نتعلم كيف يصبح «تقرير المستقبل» جزءًا من الحوار المؤسسي المستمر بين الحكومة والبرلمان.
ومن ويلز نتعلم أن السياسة العامة ينبغي أن تأخذ في الاعتبار حقوق ومصالح الأجيال القادمة.
ومن التجربة السعودية نتعلم أهمية استطلاعات الرأي العلمية في فهم المجتمع واتجاهاته.
أما الكويت فلديها بالفعل نواة مؤسسية يمكن البناء عليها وتطويرها وربطها بصورة أكثر فاعلية بصناعة القرار.
ولذلك فإن المقترح ليس البدء من جديد، وإنما جمع القدرات القائمة، وتطويرها، وتمكينها، وربطها بصانع القرار، وقياس نتائجها، وإعلان مخرجاتها للرأي العام.
وزير دولة للمستقبل واستشراف السياسات.
ومنظومة وطنية متكاملة للاستشراف والسياسات العامة.
وتفعيل أكبر للمؤسسات البحثية والاستطلاعية القائمة.
وشراكة مع الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص.
ومشاركة حقيقية للشباب.
وقبل ذلك وبعده:
«تقرير مستقبل الكويت» يصدر بانتظام، وينشر للرأي العام، ويعرض الفرص والمخاطر والسيناريوهات، وترد الجهات الحكومية على توصياته، ثم نعود في التقرير التالي لنسأل بموضوعية وشفافية:
أين كنا؟
وماذا أنجزنا؟
وأين أصبحنا؟
وإلى أين نسير؟
إن الأوطان الناجحة لا تنتظر المستقبل لتكتشف ما أعده لها.
الأوطان الناجحة تدرسه، وتستشرف احتمالاته، وتستعد لمخاطره، وتغتنم فرصه، ثم تبدأ من اليوم في صناعته.