مقالات وكتاب

لا تجعلوا الأول من سبتمبر يومًا أسود في ذاكرة شرق تيماء

بقلم: رئيس التحرير 

على مدى الأسابيع الماضية كتبنا كثيرًا عن قضية أهالي شرق تيماء، وربما وصلنا اليوم إلى مرحلة لم يعد فيها من المفيد أن نعيد الكلام نفسه.

تحدثنا عن 509 أسر كويتية، وعن القانون والقضاء، وعن التمليك والإيجار والانتفاع، وعن كلفة المشروع، وعن الأموال التي أنفقها السكان على بيوتهم، وعن كبار السن والأمهات والأطفال، وعن الحلول الممكنة، وعن الآثار الاجتماعية والإنسانية لأي إخلاء جماعي في وقت واحد.

طرقنا – قدر استطاعتنا – كل زاوية في القضية، وطرحنا كل حل يمكن أن يحفظ حق الدولة وفي الوقت نفسه يحفظ استقرار هذه الأسر.

واليوم، ونحن نقترب من الأول من سبتمبر، لم يعد السؤال: ماذا نقول؟

قلنا كل شيء تقريبًا.

السؤال الآن:

ماذا ستقرر الحكومة؟

لا أريد في هذا المقال أن أدخل مرة أخرى في سجال قانوني،

ولا أن أعيد الأرقام والحسابات،

ولا أن أكرر الحلول التي أصبحت معروفة.

أريد فقط أن أسأل:

ماذا ستكسب الكويت إذا جاء الأول من سبتمبر وخرجت 509 أسر من بيوتها؟

وماذا ستخسر الدولة إذا منحت نفسها وهذه الأسر مزيدًا من الوقت للوصول إلى حل؟

حتى لو كانت للحكومة وجهة نظر قانونية تختلف عن وجهة نظر السكان،

وحتى لو كانت ترى أن لها الحق في استرداد هذه المساكن،

فإن هناك حقيقة أكبر من هذا الاختلاف:

هذه حكومة هؤلاء السكان أيضًا.

إنها حكومة الشعب الكويتي كله.

والحكومة ليست خصمًا للمواطن، كما أن المواطن ليس خصمًا لحكومته.

وعندما يختلف المواطن مع جهة حكومية حول قرار أو تفسير قانون، فإنه لا يخرج من مظلة دولته، ولا تتحول العلاقة إلى معركة بين طرفين.

بل هنا تحديدًا تظهر حكمة الدولة؛ عندما تستطيع أن تطبق القانون وتحفظ حقها، وفي الوقت نفسه تنظر إلى الإنسان الذي سيتأثر بالقرار.

نحن نتحدث عن أسر عاشت في هذه البيوت سنوات،

وعن كبار سن استقروا فيها،

وأطفال عرفوا أحياءها وشوارعها،

وأمهات بنين فيها تفاصيل حياتهن،

وأسر أنفقت من أموالها على تجهيزها وإصلاحها، ثم وجدت نفسها أمام موعد يقترب يومًا بعد يوم.

وفي المقال السابق نقلنا ما يقوله بعض الأهالي عن حجم القلق الذي يعيشونه:

رجال يبكون في المساجد،

وأناس يحملون هم بيوتهم معهم حتى في العمرة،

وأحد السكان يقول إنه يخرج بسيارته قاصدًا مكانًا، ثم يكتشف من شدة التفكير أنه وصل إلى منطقة أخرى.

هل نحتاج بعد ذلك إلى دليل آخر على أن الناس بلغت مرحلة شديدة من القلق؟

يا حكومة الكويت؛

التراجع عن قرار عندما تستدعي المصلحة إعادة النظر فيه ليس ضعفًا.

وتأجيله ليس هزيمة.

وإعادة دراسته ليست انتقاصًا من هيبة الدولة.

الدولة القوية هي التي تستطيع أن تراجع، وأن تسمع، وأن توازن، وأن تختار من بين الحلول ما يحقق المصلحة بأقل ضرر ممكن على مواطنيها.

ولذلك تمنيت أن تكون الجملة التي تستطيع الحكومة قولها في نهاية هذه القضية:

حفظنا حق الدولة، ولم نكسر خاطر مواطن.

فالبيوت يمكن تقييمها بالأمتار والدنانير، أما الاستقرار الأسري فلا توجد آلة تستطيع أن تضع له سعرًا.

والمبنى يمكن إخلاؤه في ساعات،

لكن آثار إخراج أسرة من بيت استقرت فيه سنوات قد تبقى في ذاكرتها طويلًا.

وهنا أسأل مرة أخرى سؤالًا طرحناه من قبل ولم نجد له جوابًا واضحًا:

إذا خرج هؤلاء السكان من بيوتهم، فلمن ستذهب هذه البيوت؟

إذا كانت ستظل مساكن تؤجر أو ينتفع بها مواطنون كويتيون، فلماذا لا يبقى فيها أهلها الحاليون؟

وإذا كانت الدولة تريد استرداد قيمتها، فقد طرحنا فكرة تمليكها لهم وفق آلية مالية تحفظ المال العام.

وإذا لم يُحسم أي من ذلك حتى الآن، فما الضرر من منح الجميع وقتًا إضافيًا حتى يقول القضاء كلمته، وتدرس الحكومة الحلول بعيدًا عن ضغط الموعد؟

لدينا بدائل كثيرة.

أما أن نصل إلى الأول من سبتمبر، ويبقى مئات الآباء والأمهات لا يعرفون ماذا سيحدث صباح ذلك اليوم، فهذا هو الخيار الذي نتمنى ألا نصل إليه.

لقد اقترب الموعد.

ولذلك قد يكون هذا نداءنا الأخير قبل الأول من سبتمبر.

لا نطلب تجاوز القانون.

ولا نطلب التفريط في أملاك الدولة.

ولا نطلب معاملة أحد فوق غيره.

نطلب فقط قرارًا يجمع بين القانون والرحمة، وبين حق الدولة واستقرار المواطن.

وأقولها بكل رجاء:

لا تجعلوا الأول من سبتمبر يومًا أسود في ذاكرة شرق تيماء.

لا تجعلوه اليوم الذي يتذكره طفل بعد عشرين عامًا بأنه اليوم الذي خرج فيه من البيت الذي نشأ فيه.

ولا اليوم الذي تتذكره أم بأنها وقفت فيه حائرة أمام أثاث منزلها تسأل: وين نروح؟

ولا اليوم الذي يشعر فيه أب بأنه عجز عن حماية استقرار أسرته.

ولا نريد أن يأتي يوم تتداول فيه الأجيال قصة هذه الأسر، فيقال عن ذلك الشهر:

كان ذلك «سبتمبر الأسود» لأهالي شرق تيماء.

نحن لا نريد هذا الاسم، ولا هذه الذكرى، ولا هذه النهاية.

نريد شيئًا آخر تمامًا.

نريد أن يصبح سبتمبر شهر الفرج لهذه الأسر.

شهرًا انتصرت فيه الحكمة.

شهرًا قالت فيه الدولة لمواطنيها: سمعناكم.

وشهرًا استطاعت فيه الحكومة أن تقول:

حفظنا حق الدولة، ولم نكسر خاطر مواطن.

ولعل أجمل مقال يمكن أن أكتبه بعد كل ما كتبناه في هذه القضية، هو مقال لا أطالب فيه بشيء، ولا أناشد فيه أحدًا، وإنما أضع له عنوانًا واحدًا:

«شكرًا يا حكومة الكويت.. لقد أفرحتم مئات الأسر الكويتية»

فهل نكتبه؟

نتمنى ذلك من القلب، ونرجوه.

زر الذهاب إلى الأعلى