مقالات وكتاب

«من باع بيته» لم يكونوا عبئاً على الدولة.. فلماذا تتحمل الدولة أكثر من 200 مليون دينار لإخراجهم؟!

بقلم: رئيس التحرير 

أتوجه بهذه الرسالة إلى رئيس مجلس الوزراء بالإنابة معالي الشيخ فهد اليوسف الصباح، وإلى معالي وزير الدولة لشؤون البلدية ووزير الدولة لشؤون الإسكان المهندس عبداللطيف حامد المشاري، وإلى رئيسة لجنة شؤون إسكان المرأة في المؤسسة العامة للرعاية السكنية الأخت الفاضلة الشيخة بيبي اليوسف الصباح، التي كرست جهودها لخدمة الأسرة الكويتية والدفاع عن استقرارها وتوفير السكن الكريم للمحتاجين، إيماناً منها بأن استقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع كله، يجمعهم جميعاً الاهتمام بقضايا المواطن الكويتي والأسرة الكويتية واستقرارها.

فالحديث هنا لا يتعلق بعقارات أو عقود أو إجراءات إدارية فحسب، بل يتعلق بمئات الأسر الكويتية التي تخشى اليوم أن تفقد الاستقرار الذي بنت عليه حياتها لسنوات طويلة، بعد أن ظنت أن رحلة البحث عن المسكن قد انتهت، وأنها وجدت أخيراً مكاناً آمناً تقضي فيه ما تبقى من عمرها.

ولأن المسؤولية الحقيقية لا تقتصر على تطبيق الأنظمة فقط، بل تشمل أيضاً النظر في آثارها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، فإن قضية «من باع بيته» تستحق أن تُقرأ من جديد، وأن تُنظر إليها من زوايا قد تكون غابت عن كثير من الناس، وربما حتى عن بعض صناع القرار.

كلما ازداد الحديث عن قضية «من باع بيته»، اكتشفت أن كثيراً من الناس لا يعرفون حقيقتها كاملة، بل إن بعض التفاصيل المهمة قد تكون غائبة حتى عن بعض المسؤولين وصناع القرار.

ولعل أكبر سوء فهم يحيط بهذه القضية أن البعض يظن أن هؤلاء المواطنين حصلوا على بيوت حكومية جاهزة من المؤسسة العامة للرعاية السكنية، ثم باعوها بإرادتهم، ثم عادوا يطالبون الدولة بمساكن جديدة.

وهذا من أكثر التصورات الخاطئة انتشاراً حول هذه القضية، فالكثير من أبناء هذه الفئة لم يحصلوا أصلاً على بيت حكومي من الدولة، بل كانوا مواطنين لديهم طلبات إسكانية قائمة، ثم قرروا شراء بيوت من السوق على نفقتهم الخاصة مستعينين بقروض بنك التسليف والادخار «بنك الائتمان حالياً»، ولم ينتظروا دورهم في التوزيع الإسكاني.

وبمجرد شرائهم تلك البيوت خرجوا من قوائم الانتظار، واستفاد مواطنون آخرون من الأدوار التي تنازلوا عنها عملياً عندما اختاروا الاعتماد على أنفسهم بدلاً من انتظار الدولة.

بمعنى آخر، هؤلاء لم يزاحموا أحداً على بيت حكومي، ولم يحصلوا على منزل من الدولة ثم يبيعوه، بل خففوا العبء عن الدولة في ذلك الوقت، وفتحوا المجال لمواطنين آخرين للحصول على الرعاية السكنية قبلهم.

ثم إن بيع تلك البيوت لم يكن عملية ربح مجانية كما يتصور البعض.

فالبيت الممول من بنك التسليف لا يمكن بيعه أصلاً إلا بعد سداد كامل القرض القائم عليه، لأن العقار يكون مرهوناً للبنك، ولا يمكن تحرير وثائقه أو نقل ملكيته إلى المشتري الجديد إلا بعد الوفاء بجميع الالتزامات المالية المستحقة.

وبالتالي فإن هؤلاء أعادوا للدولة كامل أموال القروض التي حصلوا عليها، ولم تبق عليهم مديونية أو التزامات قائمة.

لكن ما حدث لاحقاً هو ما لم يكن أحد يتوقعه، فقد ارتفعت أسعار الأراضي والبيوت بصورة غير مسبوقة، وأصبح امتلاك منزل جديد أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير منهم، فوجدوا أنفسهم ضمن فئة «من باع بيته»، ثم وفرت لهم الدولة مساكن بنظام الإيجار والانتفاع وفق الأنظمة المعمول بها آنذاك.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم:

ما المصلحة التي ستتحقق للدولة إذا أخرجت هذه الأسر اليوم من مساكنها؟ بل ما الكلفة التي ستتحملها الدولة نتيجة ذلك؟

إذا افترضنا أن ما يقارب 600 أسرة ستخرج من هذه المساكن، وأن آلافاً آخرين من فئة «من باع بيته» فقدوا الأمل في المشاريع التي انتظروها سنوات طويلة، ومنها مشاريع جاهزة منذ سنوات في مدينة صباح الأحمد ومناطق أخرى لم يتم توزيعها حتى الآن، فإن النتيجة الطبيعية ستكون عودة أعداد كبيرة منهم إلى طلب الرعاية السكنية والتمويل الإسكاني من جديد.

ولو افترضنا جدلاً أن 3000 مواطن فقط سيتجهون إلى شراء مساكن والحصول على قرض بنك الائتمان البالغ 70 ألف دينار، فإننا نتحدث عن التزامات تمويلية تتجاوز 200 مليون دينار تتحملها الدولة، أي أن الدولة قد تتحمل مئات الملايين لإيجاد حلول سكنية جديدة لمواطنين كانت قد وفرت لهم بالفعل حلاً قائماً ومستقراً!!

فأي الخيارين أقل كلفة؟ أن يبقى المواطن في مسكن قائم يدفع إيجاره للدولة؟

أم أن تتحمل الدولة مئات الملايين من الدنانير كقروض وتمويلات جديدة؟!

ثم إن هذه الأسر لا تكلّف الدولة اليوم شيئاً، بل تدفع إيجارات سنوية تتجاوز ثلاثة ملايين ونصف المليون دينار تعود إلى الخزانة العامة، وتساهم في تغطية جزء من تكاليف إدارة هذه المشاريع.

وبذلك فإن الإخلاء لا يعني فقط خسارة المواطن لاستقراره، بل قد يعني أيضاً خسارة الدولة لمورد قائم، وتحملها التزامات مالية إضافية في المستقبل.

وهناك جانب آخر يغيب عن كثير من الناس، فهذه المساكن لم تُسلَّم لأصحابها مكتملة أو جاهزة للسكن بالصورة التي يتخيلها البعض.

فكل المنازل في مشروع “من باع بيته” استلمها المواطنون بلا أجهزة تكييف، وكان الموجود فقط فتحات للتمديد داخل الجدران، والمباني لم يكن فيها سوى هيكل المصعد دون المصعد نفسه.

واستلموا البيوت بلا تشطيبات إضافية يحتاجها السكن الكريم، وحتى السطح كان بنصف سور من الحديد لايتجاوز ارتفاعه متراً واحداً! يحتاج إلى استكمال وتجهيز وحماية.

فكان عليهم أن يبدأوا رحلة طويلة من الإصلاح والتجهيز قبل أن يتمكنوا من السكن.

لذلك أنفق بعضهم 10 آلاف دينار، وأنفق آخرون 20 ألفاً، ووصل إنفاق بعض الأسر إلى 30 و40 ألف دينار، وهذه الأموال لم تكن فائضة في حساباتهم البنكية، بل كلهم تقريباً اقترضوها من البنوك، وبعضهم لا يزال يسدد أقساطها حتى اليوم، وبعضهم سيسددها حتى الممات لأن بعضها تتجاوز مدة سداد القرض العشر سنوات و15 سنة، وبعضهم اضطر إلى الاستعانة بأبنائه وتحميلهم التزامات مالية تمتد إلى سنوات طويلة.

والأكثر إيلاماً أن معظم هؤلاء ليسوا شباباً في بداية الطريق، فمعظمهم وربما كلهم تجاوزوا 60 عاماً، وكثير منهم تجاوزوا 70 و75 عاماً، وبعضهم يقترب من 80 عاماً، ومنهم من تجاوزها!!

فهل يُعقل أن يُطلب من رجل في هذا العمر أن يبدأ حياته السكنية من جديد؟

وهل من العدالة أن يُطالب بإعادة منزل أنفق عليه عشرات الآلاف من الدنانير، بعد أن حوله من مبنى غير مكتمل إلى بيت صالح للعيش؟

وهل المطلوب منه أن يهدم ما بناه، وينزع ما ركبه، ويزيل ما أصلحه، ثم يغادر وكأن سنوات العمر التي قضاها هناك لم تكن موجودة؟

إنني أعتقد أن الحلول موجودة إذا توفرت الإرادة، ومن أكثر الحلول عدالة ومنطقية أن تُمنح هذه الفئة فرصة تملك هذه المساكن من خلال القرض الإسكاني نفسه، بما يحقق الاستقرار للمواطن ويوفر على الدولة أعباء مالية مستقبلية ضخمة. واللافت أن هذا التوجه ليس فكرة جديدة، بل هو قريب مما طُرح رسمياً من قبل معالي وزير الدولة لشؤون الإسكان المهندس عبداللطيف المشاري، عندما أعلن مجلس إدارة المؤسسة العامة للرعاية السكنية في سبتمبر 2024 دراسة إنشاء وحدات سكنية لفئة «من باع بيته» في مدينة الوفرة السكنية، كما قدم الوزير آنذاك مقترحاً لتعديل ضوابط إصدار وثائق التملك للوحدات السكنية بهدف «ضمان استقرار الأسر الكويتية» وحفظ حقوقها.

وإذا كان الهدف المعلن آنذاك هو ضمان استقرار الأسرة الكويتية، فإننا نأمل اليوم أن يستمر هذا النهج نفسه، وأن يُنظر إلى هذه القضية من زاوية الاستقرار الأسري والاجتماعي والاقتصادي، لا من زاوية الإخلاء وحدها. فالأسر التي يُراد إخراجها اليوم هي نفسها الأسر التي سعت الدولة بالأمس إلى توفير الاستقرار لها.

وإذا لم يكن ذلك ممكناً في الوقت الراهن، فإن الحد الأدنى من الإنصاف أن يُسمح لهم بالبقاء في هذه المساكن مدة لا تقل عن 5 سنوات دون إيجار، تعويضاً عن الأموال التي أنفقوها على الترميم والتشطيب والإصلاح، وعن السنوات التي عاشوها وهم يعتقدون أن هذه البيوت ستكون موطن استقرارهم الأخير.

إن هؤلاء المواطنين لم يبنوا قراراتهم على اجتهادات شخصية أو وعود عابرة، بل بنوها على أنظمة رسمية أقرتها الدولة نفسها، ورتبوا عليها أعمارهم ومدخراتهم ومستقبل أبنائهم، فهل من العدل أن يُطلب منهم اليوم أن يبدأوا من جديد بعد أن بنوا حياتهم كلها على أوضاع أقرتها الدولة نفسها؟

إن القضية اليوم ليست قضية عقارات؛ إنها قضية ثقة بين المواطن والدولة، وقضية وفاء لمن اعتمد على الأنظمة الرسمية، ورتب حياته على أساسها، وقضية عدالة تستحق أن تُراجع بعين الرحمة والحكمة معاً.

فالكويت التي أعطت الكثير للعالم، قادرة على أن تمنح أبناءها الطمأنينة في بيوتهم، بدلاً من أن تفتح عليهم أبواب القلق في آخر العمر.

زر الذهاب إلى الأعلى