مقالات وكتاب

الرحلة من عصر المخطوطات إلى عصر إدمان التقنيات

بقلم: د. موضي عبدالعزيز الحمود

كانت القراءة حاضرة دائماً في منهج البشر من عصر النقش على الحجر، إلى عصر المخطوطات بأنواعها وأدواتها، إلى عصر المطبوعات والتطور في نتاج المطابع ووفرة الكتب والموسوعات والنشرات وغيرها، نجدها في يد المثقف والإنسان العادي، وفي حقيبة الطفل، وفي أدراج المعلم، وعلى رفوف المكتبات.

شخصياً ـ ومثلي الكثيرون ـ كانت وما زالت القراءة أساساً في منهجي البحثي والثقافي، وكان الكتاب منذ الصغر رفيق أمسياتي وأنيس أسفاري، أجد الراحة بين صفحاته، ويتسع الخيال في أفق رواياته وأحداثه.

ولكنها الحياة وسنة التطور البشري، الذي عبر بالثقافة من المخطوطات إلى عصر المطبوعات، ثم إلى عصر أجهزة التقنيات، فأصبحت الشاشة رفيقة المثقف، وجهاز الكمبيوتر خزينة معلومات الموظف، والهاتف المحمول الصديق اللصيق للجميع، وخصوصاً أجيال اليوم ممّن نسوا ملمس الورق، وافتقدوا متعة وعطر التصفح في الكتاب.

التصقت الأجيال الحالية (جيل ألفا وما قبله)، ومعها عدد كبير من الرعيل الأول، بأجهزة الكمبيوتر «اللابتوب»، أو «الآيباد»، أو «الآيفون» وغيرها، ولم يعد الإنسان العادي متلقياً للمعلومات أو الثقافة، بل أصبح فاعلاً ومشاركاً وصانع محتوى في فضاء يتجاوز الحدود ويعبر القارات والمحيطات، عبر مشاركاته وخواطره وتغريداته في اليوتيوب، أو منصة X، أو سناب شات، أو الإنستغرام، أو المدونات، وغيرها.

حملت هذه الأجهزة ومنصات البحث الغث والسمين من المعلومات والمشاركات، وكان الجميع مشاركاً ومنبهراً بما تتيحه هذه الأجهزة من فرص تواصل ونشر للمعرفة.

ولكن تنبهت كثير من الدول إلى ما قد تحمله هذه الأجهزة من خطر على الناشئة الصغار، أو ما نسميهم «جيل ألفا» خاصةً، وبادرت أستراليا إلى حظر استخدام الأطفال، من عمر 7 إلى 16 عاماً، وعدم السماح لهم بإنشاء حسابات شخصية على وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها، ومثلها بادرت ماليزيا والدنمارك، وتدرس فرنسا ورومانيا والاتحاد الأوروبي هذا التوجّه، وقد تعتمد تشريعاً مماثلاً حمايةً للأجيال القادمة مما أسمته الوزيرة الأسترالية «خطر الكوكايين السلوكي»، أو الإدمان المفرط على هذه الأدوات والأساليب وما تبثه، وما قد تحمله من مخاطر على سلوكيات الناشئة وصحتهم البدنية والنفسية.

هي قوانين قد تبدو من قبل البعض تسلطية أو تحكمية في ظاهرها، ولكنها بميزان الحماية المجتمعية شيء مهم لحماية الأطفال والناشئة، ممّا قد يتعرّضون إليه من أخطار فكرية وسلوكية، وحتى لا نصل إلى هذا الحد من المنع، الذي قد لا يكون مرحباً به من قبل البعض، فلابد أن نعمد ونعتمد التوجيه والإرشاد والمراقبة، التي تبقى ضرورية من قبل الأهل والمربين والمرشدين، على استخدام الأبناء لهذه الأدوات، وما قد تحويه من مواد قد توفّر معلومات، ولكنها قد تهدم سلوكاً وتقوّض نفوساً.

نسأل الله الحماية لأبنائنا وأحفادنا ومجتمعاتنا.. والله الموفق.

زر الذهاب إلى الأعلى