مقالات وكتاب

قبل أن نستشرف المستقبل.. لنُحَوْكِم الحاضر

بقلم: رئيس التحرير 

بعد نشر مقالي الأخير «الكويت واستحقاقات المستقبل.. من استشراف الغد إلى صناعته»، كتبت الأخت المحامية كوثر الجوعان تعليقًا لافتًا قالت فيه: «مقال قيم وشرح واضح واقتراحات مستحقة.. لكن نحتاج إلى وزير حاضر يسمع ويجيب… حتى نطمح لاستشراف المستقبل».

توقفت طويلًا أمام هذه العبارة؛ لأنها لم تكن تعليقًا على مقال فحسب، ولا ملاحظة موجهة إلى وزير بعينه، وإنما وضعت يدها على مشكلة أكبر في علاقتنا بالإدارة الحكومية:

من يستمع إلى رؤى المواطنين ومناقشاتهم ومطالباتهم واقتراحاتهم؟ ومن يجيبهم؟

فالحكومة هي حكومة هذا الشعب، وليست جهازًا منفصلًا عنه. وُجدت لإدارة شؤونه وخدمته والاستماع إليه والتفاعل مع قضاياه. وليس المطلوب أن توافق الحكومة على كل رأي، ولا أن يلبي الوزير كل مطلب، ولكن من حق الناس أن يعرفوا أن أصواتهم تصل، وأن ما يطرحونه يُقرأ ويُناقش ويُجاب عنه. من حق المواطن أن يسمع: هذا المقترح ندرسه، وهذه المشكلة سنعالجها، وهذا الحل أخذنا به، وهذا المطلب تعذر تنفيذه للأسباب التالية.

أما أن يكتب الناس ويتحدثوا ويناشدوا ويقترحوا، ثم لا يسمعوا جوابًا، فهذه ليست العلاقة التي ينبغي أن تكون بين حكومة وشعبها.

ولعل قضية أهالي شرق تيماء واحدة من أكثر الأمثلة إيلامًا ووضوحًا. فعلى مدى شهور تعالت نداءات الأسر، وكتب الكتّاب، وتحدث المحامون والمختصون، وطُرحت حلول وبدائل ومقترحات تحفظ حق الدولة، وفي الوقت نفسه تراعي ظروف مئات الأسر التي عاشت في تلك البيوت سنوات طويلة. ومع ذلك، لم يسمع الناس جوابًا حكوميًا واضحًا يناقش ما طُرح، ولم يخرج مسؤول ليقول للناس: هذا الحل قُبل، وهذا رُفض، وهذه أسباب الرفض، وهذا ما تستطيع الدولة تقديمه.

ثم جاءت الإجابة في اللحظة الأخيرة على الأرض لا بالكلام: إخلاء بالقوة الجبرية، وقطع للتيار الكهربائي، وإغلاق للبيوت، وإخراج لأهلها منها.

والمؤلم هنا ليس تنفيذ القرار وحده، وإنما أن تسبقه شهور من النداءات والمقالات والمقترحات والحلول من دون حوار حكومي معلن يجيب عنها. فالاستماع إلى المواطن لا يعني بالضرورة الاستجابة لمطلبه، ولكنه يعني احترام حقه في أن يسمع جوابًا. وهذه ليست مجاملة تقدمها الحكومة للناس، بل جزء أصيل من مسؤوليتها تجاههم.

وهذه تحديدًا هي المسافة التي يجب أن تردمها الحوكمة الرشيدة بين الحكومة والمواطن.

ومن هنا وجدت أن حديثنا عن استشراف المستقبل يقودنا أولًا إلى قضية تسبقه: قبل أن نبحث عن حكومة تستشرف المستقبل، نحتاج إلى حكومة تسمع الحاضر، وتعرف مشكلاته، وتجيب عن أسئلته، وتُحسن إدارته.

ما الحوكمة أصلًا؟

كثيرون يسمعون كلمة «الحوكمة»، وبعضهم يرددها في الاجتماعات والتصريحات والخطط، حتى أصبحت من أكثر المصطلحات تداولًا، لكن كم من الناس يعرف معناها الحقيقي؟ وكم من المؤسسات التي تتحدث عنها تطبقها فعلًا؟

بأبسط تعريف: الحوكمة هي النظام الذي يحدد كيف تُدار المؤسسة، ومن يملك القرار، ومن ينفذه، ومن يراقبه، وكيف تُقاس النتائج، ومن يُسأل ويحاسب عند التقصير.

أي أنها تجيب عن أسئلة لا تحتمل الغموض: من المسؤول؟ ماذا عليه أن ينجز؟ متى ينجزه؟ بأي موارد؟ وفق أي معيار؟ كيف نقيس النتيجة؟ وماذا يحدث إذا لم ينجز؟

ولهذا فإن الحوكمة ليست زيادة في اللوائح والتواقيع والموافقات، وليست نقل الورقة من مكتب إلى مكتب، ولا إنشاء لجان جديدة فوق لجان قديمة. هذه بيروقراطية وليست حوكمة.

الحوكمة الحقيقية تفعل العكس: تختصر الطريق، وتحدد المسؤولية، وتمنع تضارب الاختصاصات، وتجعل القرار واضحًا، والمعلومة دقيقة، والإنجاز قابلًا للقياس، والنتائج معلنة، والمقصر معروفًا، والمحاسبة ممكنة.

وفي كتابنا «كيف تفهم الحوكمة؟ – دليل مبسط للقادة وصناع القرار» وضعنا في صلب مبادئها: الشفافية، والمساءلة، والنزاهة، والعدالة، والفاعلية، والاستجابة، والشمولية، وربطنا الحوكمة الحكومية بالرقمنة والسياسات العامة والمساءلة المجتمعية.

ولنتوقف خصوصًا عند كلمة «الاستجابة»؛ لأنها تعيدنا مباشرة إلى تعليق كوثر الجوعان وإلى قضية شرق تيماء. فالحكومة التي تسمع ولا تجيب ينقصها عنصر من أهم عناصر الحوكمة، والحكومة التي تتخذ القرار ولا تشرح أسبابه تضعف الشفافية، والجهة التي تنفق وتعمل ولا تنشر مؤشرات أدائها تجعل المساءلة صعبة.

إذن الحوكمة ليست مصطلحًا إداريًا فاخرًا نضعه في الخطط والتقارير، وإنما طريقة لإدارة الدولة: هدف محدد، ومسؤول معروف، ومدة زمنية معلومة، وميزانية واضحة، ومؤشر أداء يمكن قياسه، ونتيجة تُنشر للناس، ومحاسبة حقيقية عند التقصير.

وبهذا المعنى، نستطيع أن نسأل: هل ما نمارسه في مؤسساتنا الحكومية اليوم هو حوكمة فعلًا، أم أننا في بعض الأحيان نضيف إجراءات جديدة ونطلق عليها اسم الحوكمة.

السعودية.. ينتهي الشهر فتظهر أرقامه

قبل أيام انتهى شهر أغسطس، وبعد يومين فقط كانت «الإخبارية» السعودية تعرض أرقام أعمال الشهر: 40 ألف جولة رقابية لمركز مشاريع البنية التحتية بالرياض، و5161 جولة لمكافحة التستر التجاري خلال أغسطس.

لماذا استطاعوا إصدار الأرقام بهذه السرعة؟

لأن الحوكمة عندما ترتبط بالتحول الرقمي تجعل البيانات تُنتج أثناء العمل، وليس بعده بشهور. الموظف ينفذ، والنظام يسجل، والمؤشر يتحدث، والمسؤول يستطيع معرفة مستوى الإنجاز.

وهذا ما نحتاج إليه في الكويت، خصوصًا أن الحكومة نفسها تنبهت إلى مشكلة جودة بعض البيانات والإحصاءات الحكومية، وصدر أخيرًا تعميم لتنظيم نشر البيانات والإحصاءات والمؤشرات، وعدم نشرها من الجهات الحكومية إلا بعد العرض وأخذ موافقة مجلس الوزراء.

والحرص على دقة المعلومة أمر محمود، ولكن العلاج الدائم ليس في إطالة طريق الرقم إلى الجمهور، بل في حوكمة إنتاج الرقم نفسه: من أين جاء؟ من سجله؟ كيف تحققنا منه؟ وهل جميع الجهات تستخدم التعريف والمنهجية نفسيهما؟

صورة «كونا».. وزير الصحة والدفتر الذي أثار السؤال

نشرت وكالة الأنباء الكويتية «كونا» خبر تدشين وزير الصحة د. أحمد العوضي حملة تطعيمات الشتاء للموسم الحالي، لكن صورة الخبر أثارت عندي سؤالًا مختلفًا.

نرى في الصورة موظفة أمام دفتر ورقي كبير للتسجيل!

ظهور التسجيل اليدوي في إجراء صحي عام 2026 يستحق السؤال: لماذا يبقى الدفتر حاضرًا في عصر الدولة الرقمية؟

فالبيانات الصحية عندما تكون رقمية ومترابطة يمكن معرفة عدد المستفيدين ومناطقهم وفئاتهم العمرية والمخزون ومعدلات الإقبال لحظيًا، وتحويلها مباشرة إلى مؤشرات تساعد متخذ القرار.

والأكثر دلالة أن سمو الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ولي العهد حاليًا، عندما كان رئيسًا لمجلس الوزراء عام 2021، تحدث مع إطلاق تطبيق «سهل» عن التحول الرقمي وعدم العودة إلى المعاملات الورقية، واليوم، بعد خمس سنوات، يتساءل الجميع:

إلى أين وصل ذلك المشروع؟

الإدارة والتخطيط لا ينفصلان عن الحوكمة

وهذا ليس جديدًا على ما نطرحه، ففي كتابنا «مدخل شامل إلى الإدارة الحديثة والمستقبل: أدوات النجاح وركائز التقدم» جمعنا الاقتصاد والإدارة والتخطيط والتنمية والحوكمة والتكنولوجيا والتحول الرقمي والابتكار والقيادة باعتبارها منظومة واحدة مترابطة، وقلنا إن التخطيط يرسم الطريق، والحوكمة تحفظ الشفافية والعدالة، والتحول الرقمي يحول التكنولوجيا إلى تطبيق عملي.

وفي كتابنا الخامس من سلسلة كتب الجيب عن التخطيط الاستراتيجي أكدنا أن التخطيط الوطني ينبغي أن يجمع الوزارات والمؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع في اتجاه واحد ورؤية موحدة؛ فالتخطيط ضرورة وطنية تصنع الحاضر وتؤسس للمستقبل.

وغيرها من كتبنا فهذه الكتب ليست تنظيرًا منفصلًا عن واقعنا؛ بل إن ما نراه اليوم يوضح لماذا نحتاج هذه المفاهيم أصلًا.

المحافظات والبلديات.. نريد دورًا حقيقيًا

والحوكمة يجب ألا تتوقف عند مجلس الوزراء والوزارات. نحتاج إلى تفعيل حقيقي للمحافظات والبلديات، وليس أدوارًا شكلية أو رقابية فقط.

لماذا لا تكون لكل محافظة لوحة مؤشرات يومية تعرض حالة الطرق والنظافة والتشجير والمرافق والمراكز الصحية والمدارس والمشروعات والشكاوى ونسب إنجازها؟

وبهذه اللوحة يعرف المحافظ لحظيًا أين توجد المشكلة، والجهة المسؤولة عنها، ومدة معالجتها؟

والبلدية كذلك يجب أن تتحول من إدارة معاملات إلى إدارة مدينة بالبيانات: البناء، والنظافة، والإشغالات، والتراخيص، والمخالفات، واستعمالات الأراضي وجودة الحياة، وغير ذلك..

نريد منصة يرى فيها المواطن حكومته

اقتراحي واضح: إنشاء منصة وطنية موحدة ومفتوحة لمؤشرات الأداء الحكومي، تظهر فيها الوزارات والهيئات والإدارات والمحافظات والبلديات، ولكل جهة أهدافها ومشروعاتها ومؤشراتها الشهرية ونسب الإنجاز.

ولا تُدخل الأرقام يدويًا في نهاية الشهر، بل ترتبط المنصة بالأنظمة الحكومية مباشرة، فتُحدَّث البيانات تلقائيًا، مع وجود جهة مستقلة تتولى التدقيق في سلامتها ودقتها.

عندها لا نحتاج إلى كثرة البيانات الصحافية، ولا إلى أن نسأل المسؤول كل يوم: ماذا أنجزتم؟ فمؤشرات الأداء ستكون متاحة أمام المواطن، يرى من خلالها ما أُنجز، وما تأخر، ونسب التنفيذ، والجهة المسؤولة، ويقارن بين ما أُعلن من أهداف وما تحقق منها على أرض الواقع.

وهنا أعود إلى المحامية كوثر الجوعان: نعم، نريد وزيرًا يسمع ويجيب، لكننا نريد أيضًا نظامًا حكوميًا كاملًا يسمع ويقيس ويجيب وينشر ويحاسب.

فاستشراف المستقبل لا يبدأ بالتنبؤ بما سيحدث بعد عشرين عامًا، وإنما يبدأ بمعرفة ما يحدث اليوم، وقياسه، ومراجعته، وتصحيح مساره.

ومن لا يستطيع قياس حاضره بدقة وشفافية، لن يستطيع صناعة مستقبله بثقة.

زر الذهاب إلى الأعلى